في تطور أمني خطير يعكس تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية، نفّذت قوة إسرائيلية خاصة فجر يوم الاثنين عملية تسلل إلى بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا جنوب لبنان، واختطفت القيادي في الجماعة الإسلامية عطوي عطوي من داخل منزله، في مشهد أعاد إلى الأذهان سيناريوهات الاختراق الأمني والعمليات السرية التي لطالما استخدمها الاحتلال في إطار حربه المفتوحة على لبنان.
الحادثة، التي وقعت في ساعات الفجر الأولى، لم تكن مجرد عملية أمنية محدودة، بل حملت أبعادًا سياسية وعسكرية ونفسية عميقة، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد على الحدود الجنوبية، واستمرار الخروقات اليومية، وتنامي المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
![]()
تفاصيل العملية: تسلل ليلي واختطاف تحت التهديد
بحسب بيان صادر عن الجماعة الإسلامية، تسللت قوة إسرائيلية خاصة إلى بلدة الهبارية مستغلة ظلام الليل، وتمكنت من الوصول إلى منزل عطوي عطوي، مسؤول الجماعة في منطقتي حاصبيا ومرجعيون، قبل أن تقتحمه وتنفذ عملية الاختطاف.
وأفاد البيان أن القوة المعتدية اعتدت بالضرب على أفراد عائلة المختطف، وروّعت النساء والأطفال، قبل أن تنقله إلى جهة مجهولة، دون أي معلومات عن مصيره أو مكان احتجازه. هذا الأسلوب، الذي يعتمد على عنصر المفاجأة والاختراق المباشر للقرى الحدودية، يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق الاستخباراتي والتخطيط المسبق.
كما يعكس الحادث قدرة الاحتلال على تنفيذ عمليات نوعية داخل العمق اللبناني، في ظل ضعف منظومة الردع الرسمية، وتراجع فعالية آليات المراقبة والحماية في بعض المناطق الحدودية.
دلالات سياسية وأمنية: رسالة ضغط وترهيب
لا يمكن فصل هذه العملية عن السياق السياسي والأمني العام في الجنوب اللبناني. فالجماعة الإسلامية اعتبرت أن الاختطاف يأتي ضمن سلسلة من الخروقات والانتهاكات اليومية التي تمارسها إسرائيل، في محاولة لترهيب السكان ودفعهم إلى مغادرة قراهم.
وتساءلت الجماعة عما إذا كانت العملية تمثل ردًا غير مباشر على زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الجنوب قبل يومين، وعلى الرسائل السياسية التي حملتها تلك الزيارة، خاصة تأكيد تمسك أبناء المنطقة بالدولة ومؤسساتها.
من هذا المنظور، تبدو العملية بمثابة رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى القوى السياسية والمجتمعية في الجنوب، والثانية إلى الحكومة اللبنانية، مفادها أن الاحتلال ما زال يحتفظ بحرية الحركة العسكرية والاستخباراتية داخل الأراضي اللبنانية.
كما تحمل العملية بعدًا نفسيًا، يهدف إلى خلق حالة من القلق والخوف داخل المجتمعات الحدودية، وإضعاف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على حمايتهم.
ردود الفعل والمطالب: الدولة أمام اختبار السيادة
حمّلت الجماعة الإسلامية الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن أي أذى قد يلحق بعطوي عطوي، وطالبت الدولة اللبنانية بالتحرك العاجل للضغط على الجهات الدولية الراعية لوقف الاعتداءات، والعمل على إطلاق سراحه وجميع الأسرى اللبنانيين.
كما دعت الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها في الدفاع عن المدنيين، وتأمين الحد الأدنى من الحماية للقرى الجنوبية، التي باتت عرضة لاختراقات متكررة، سواء عبر القصف أو العمليات الخاصة.
في المقابل، لم تصدر حتى الآن مواقف رسمية تفصيلية حول آليات التعامل مع الحادث، ما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على تفعيل قنوات الضغط الدبلوماسي، أو اللجوء إلى المؤسسات الدولية لفضح هذه الانتهاكات.
زيارة نواف سلام والبعد الاقتصادي للصراع
تزامن الحادث مع زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الجنوب، حيث أعلن عن تأمين 360 مليون دولار للمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية.
هذه الزيارة حملت بعدًا رمزيًا مهمًا، تمثل في محاولة إعادة الاعتبار للجنوب كمكوّن أساسي في الدولة اللبنانية، وليس كساحة صراع مفتوحة. غير أن عملية الاختطاف جاءت لتقوض هذا المسعى، وتؤكد أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة هشاشة دائمة.
فمن وجهة نظر إسرائيل، يشكل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الجنوب عامل قوة للمجتمع المحلي، وهو ما يتناقض مع استراتيجيتها القائمة على الاستنزاف والضغط المستمر.
سيناريوهات المرحلة المقبلة: تصعيد أم احتواء؟
تفتح حادثة الاختطاف الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة. أولها، استمرار العمليات الإسرائيلية النوعية، ضمن سياسة “الضربات المحدودة”، دون الانجرار إلى حرب شاملة. وثانيها، ردود فعل غير مباشرة من قوى المقاومة، قد تتخذ أشكالًا مختلفة، ما يرفع منسوب التوتر.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تحرك دبلوماسي لبناني نشط، مدعوم عربيًا ودوليًا، لاحتواء التصعيد، وإن كان هذا الخيار يبدو ضعيفًا في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالملف اللبناني.
في المحصلة، تكشف عملية اختطاف عطوي عطوي عن مرحلة جديدة من المواجهة غير المعلنة بين الاحتلال وإرادة الصمود في الجنوب، وتضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لاستعادة هيبتها وحماية مواطنيها، في ظل معادلة إقليمية معقدة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
اقرأ أيضًا : غالانت يفضح رواية نتنياهو ويكشف أزمة القيادة بعد هزيمة السابع من أكتوبر