اعتبر الدبلوماسي الجزائري والسفير السابق عمار بلاني أن السياسة الإقليمية التي بنتها الإمارات خلال السنوات الماضية على دعم قوى محلية مسلحة بدل التدخل العسكري المباشر بدأت ترتد على أبوظبي، مع تغير موازين القوى في اليمن والسودان وتصاعد التنافس بينها وبين السعودية.

وفي قراءة سياسية بعنوان «عندما ترتدّ الحروب بالوكالة على أبوظبي»، يرى بلاني أن النموذج الإماراتي اعتمد على تمويل وتسليح وتدريب حلفاء محليين بما يسمح لأبوظبي بتوسيع نفوذها الإقليمي مع تقليل كلفة الانخراط العسكري والدبلوماسي المباشر.

ويربط بلاني هذه الاستراتيجية بصورة خاصة بالموانئ والمضائق وخطوط التجارة، معتبرًا أن النفوذ غير المباشر حول هذه المواقع يخدم المصالح الاقتصادية واللوجستية للإمارات.

اليمن والسودان.. نموذج واحد بأدوات مختلفة

يضع بلاني اليمن والسودان في قلب هذا النموذج.

ففي اليمن، يشير إلى العلاقة الوثيقة التي أقامتها الإمارات مع المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه عام 2017، والدعم العسكري والسياسي الذي قدمته له، معتبرًا أن مشروع المجلس في جنوب اليمن تقاطع مع المصالح الإماراتية المرتبطة بعدن وخليج عدن والبحر الأحمر.

أما في السودان، فيربط بلاني النموذج نفسه بعلاقة أبوظبي بقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، التي تخوض حربًا ضد الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.

وتواجه الإمارات اتهامات سودانية ودولية بتقديم أسلحة ودعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي وتقول إنها لا تقدم دعمًا عسكريًا لأي من طرفي الحرب.

وبحسب بلاني، فإن القاسم المشترك في الحالتين هو تفضيل التعامل مع قوة محلية قادرة على فرض نفوذ ميداني بدل الاعتماد على المؤسسات المركزية للدولة.

لكن النموذج اصطدم بالسعودية

يرى السفير الجزائري السابق أن المشكلة لم تكن في القوى المحلية وحدها، وإنما في اصطدام الحسابات الإماراتية تدريجيًا بحسابات السعودية.

ففي اليمن، تباينت علاقات الرياض وأبوظبي مع القوى المحلية، وظهرت خلافات واضحة بشأن مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية والقوى التي ينبغي أن تتولى إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين.

أما في السودان، فقد اتجهت الحسابات السعودية والإماراتية أيضًا إلى مسارات مختلفة مع استمرار الحرب، بالتزامن مع اتساع الصراع الإقليمي على البحر الأحمر.

ويعتبر بلاني أن هذا التباعد أضعف قدرة أبوظبي على إدارة شبكتها من الحلفاء المحليين ضمن مظلة إقليمية مستقرة.

ميون.. الخسارة التي تتجاوز جزيرة

يخصص بلاني مساحة مهمة للتطورات الأخيرة في اليمن، معتبرًا أن خسارة جزيرة ميون تمثل ضربة تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة.

فالجزيرة تقع في قلب باب المندب، وتمنح موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية بالقرب من أحد أهم طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ويرى بلاني أن دعم قوى انفصالية على حساب بناء سلطة مركزية يمنية قوية ساهم على المدى الطويل في تفكيك المعسكر المناهض للحوثيين، وأن الخلاف السعودي الإماراتي وما تبعه من إعادة ترتيب للقوى في الجنوب خلقا فراغًا تمكن الحوثيون من استغلاله.

وبهذا، وفق قراءته، ارتدت استراتيجية النفوذ غير المباشر على أحد أهم أهدافها الأصلية: تأمين موطئ قدم إماراتي حول باب المندب.

من يدفع ثمن تغير خريطة باب المندب؟

لا تتوقف تداعيات التطورات عند الإمارات واليمن.

فبالنسبة إلى السعودية، يمثل أمن باب المندب عنصرًا أساسيًا في حماية طرق صادراتها عبر البحر الأحمر، بينما ترتبط مصالح مصر مباشرة باستمرار حركة الملاحة نحو قناة السويس وعدم اضطرار مزيد من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

أما جيبوتي وإريتريا، فتواجهان واقعًا أمنيًا جديدًا على الضفة الأفريقية للمضيق، في ظل تصاعد عسكرة البحر الأحمر وتنافس القوى الإقليمية والدولية حول الموانئ والقواعد العسكرية.

وفي المقابل، يرى بلاني أن المستفيد الأكبر من تعزيز الموقع الحوثي هو إيران، إذ يمنح وجود حليفها اليمني بالقرب من باب المندب طهران ورقة إضافية للضغط على السعودية والملاحة الدولية، بالتوازي مع نفوذها وقدراتها العسكرية حول مضيق هرمز.

هل بدأت استراتيجية أبوظبي تأكل نفسها؟

يصل بلاني في قراءته إلى أن ما يحدث يكشف نقطة الضعف الأساسية في نموذج «الحرب بالوكالة».

فبناء النفوذ عبر قوى محلية مسلحة قد يكون أسرع وأقل تكلفة من التدخل المباشر، لكنه يجعل هذا النفوذ مرتبطًا ببقاء تلك القوى وتماسكها وقدرتها على الاحتفاظ بالأرض، فضلًا عن استمرار التوافق مع القوى الإقليمية الأكبر.

وعندما تتغير موازين القوى أو تتفكك التحالفات، قد تتحول الميزة نفسها إلى نقطة ضعف.

ومن هنا يربط بلاني بين اليمن والسودان: شبكات نفوذ واسعة، وقوى محلية مسلحة، ومصالح مرتبطة بالموانئ والبحر الأحمر، لكن مع مخاطر متزايدة بخروج الصراعات التي ساهمت أبوظبي في تشكيلها عن قدرتها على التحكم.

ويخلص السفير الجزائري السابق إلى أن الإمارات باتت تواجه ثمن استراتيجية قامت، بحسب وصفه، على القدرة على «إشعال الأزمات والإبقاء عليها ثم محاولة التحكم بها بشكل غير مباشر».

وفي ضوء خسارة مواقع استراتيجية في اليمن، واستمرار الحرب السودانية، وتصاعد الخلافات مع قوى إقليمية، يطرح تحليل بلاني سؤالًا يتجاوز مصير حليف إماراتي هنا أو موقع عسكري هناك:

هل وصلت سياسة النفوذ الإماراتي عبر الوكلاء إلى حدودها، وبدأت الحروب التي منحت أبوظبي نفوذًا واسعًا خلال السنوات الماضية تتحول إلى مصدر لاستنزاف نفوذها نفسه؟