في الوقت الذي يطل فيه عبد الفتاح السيسي من الشاشات ليحتفل بعيد الأم بكلمات منمقة وابتسامات مصطنعة، هناك أمهات في مصر يقضين هذا اليوم في زنازين مظلمة، بعيدًا عن أولادهن، دون محاكمة عادلة، أو حتى تهمة حقيقية. نظام يكرّم “الأم المثالية” في القصر الرئاسي، بينما يسحق الأمهات الحقيقيات في السجون، لا يملك أدنى شرعية أخلاقية للاحتفال. فكيف يحتفل من يعتقل النساء لمجرد رأي، ويعذب الأمهات ويحرم أطفالهن من حضنهن؟
هذا ليس عيدًا، بل مهزلة تمارسها آلة القمع المصرية، وتُغلفها بالدعاية والتمثيل، بينما الحقيقة دامغة: النظام المصري يحتقر المرأة حين تعارض، ويعاقبها إن رفعت صوتها، ويحول الأمومة من نعمة إلى لعنة داخل جدران المعتقل.
أرقام صادمة: كم من أمٍ خلف القضبان؟
تُقدَّر أعداد السجينات السياسيات في مصر بمئات النساء. وفقًا لتقرير صادر عن حملة “حتى آخر سجين” في عام 2023، فإن هناك أكثر من 200 سجينة سياسية في السجون المصرية. هذه الأرقام تعكس تصاعدًا في استهداف النساء، خاصة الأمهات، في إطار حملة قمعية واسعة ضد المعارضة والنشطاء الحقوقيين. هؤلاء النسوة يتعرضن لانتهاكات جسيمة تتنوع بين الحبس الانفرادي، الحرمان من الزيارة، الإهمال الطبي، والمنع من رؤية أطفالهن، فضلًا عن الاعتقال التعسفي دون محاكمات عادلة.
نماذج من الأمهات المعتقلات ومعاناتهن
علا القرضاوي: ابنة الشيخ يوسف القرضاوي، تبلغ من العمر 58 عامًا، وهي أم لثلاثة أبناء وجدة لثلاث حفيدات. اعتُقلت في عام 2017 دون توجيه تهم واضحة، وتعرضت لظروف احتجاز قاسية، بما في ذلك الحبس الانفرادي لفترات طويلة. ورغم عدم انتمائها لأي تيار سياسي، فإن صلتها بوالدها كانت السبب الرئيسي لاعتقالها.
هدى عبد المنعم: محامية حقوقية وعضو سابق في المجلس القومي لحقوق الإنسان، تبلغ من العمر 64 عامًا، وأم لخمسة أبناء. اعتُقلت في أكتوبر 2018، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة خمس سنوات في القضية المعروفة باسم “قضية التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، وذلك استنادًا إلى اتهامات وجهتها نيابة أمن الدولة، من بينها “الانضمام إلى جماعة محظورة” وغيرها من التهم المشابهة.
عائشة الشاطر، التي تُحتجز في حبس انفرادي منذ سنوات، رغم حالتها الصحية المتدهورة، ومنعها من التواصل مع أسرتها. كذلك هدى عبد المنعم، الحقوقية الستينية وأم لخمسة أبناء، والتي تعاني من أمراض مزمنة داخل السجن دون رعاية طبية مناسبة.
منى سلامة، فقد اعتُقلت لأنها شاركت في وقفة احتجاجية تطالب بالإفراج عن المعتقلين خلال جائحة كورونا، وطفلاها اليوم يعيشان بعيدًا عنها، دون معرفة متى تعود.
سجون النساء في مصر.. ومأساة الغارمات
وفي مصر، توجد 8 سجون مخصصة للنساء، يأتي على رأسها سجون القناطر الخيرية، برج العرب، ودمنهور. وتكشف الإحصاءات الرسمية عن وجود نحو 30 ألف سيدة مصنّفة كـ”غارمة”، أي تم سجنها بسبب عدم قدرتها على سداد ديون صغيرة، تمثل حوالي 25% من إجمالي السجناء في البلاد.
هذه النسبة الكارثية لا تعبّر فقط عن فشل المنظومة الاقتصادية، بل تكشف عن انهيار الحماية الاجتماعية للنساء، خصوصًا من الطبقات الفقيرة. الغارمات لسن مجرمات، بل ضحايا لفقر مزمن وسياسات اقتصادية جائرة، يُزجّ بهن في السجون بدلًا من توفير حماية قانونية لهن ولأسرهن.
اختفاء قسري وانتهاك صامت للجسد والهوية
لا تتوقف الانتهاكات عند حدود الاعتقال، بل تصل إلى ذروتها عبر الاختفاء القسري، الذي بات ظاهرة ممنهجة تطال النساء أيضًا. وثّقت منظمات حقوقية حالات عديدة لاختفاء سيدات ومراهقات لفترات طويلة، دون علم أسرهن بمكان احتجازهن، ودون أي إجراءات قانونية.
في بعض الحالات، تعرضت المختفيات للتعذيب النفسي والجسدي قبل الظهور لاحقًا أمام النيابة بتهم ملفقة. هذه الانتهاكات ليست فقط جريمة سياسية، بل جريمة ضد الكرامة الإنسانية والحق في الأمان الجسدي، وتكشف عن تحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات تهديد وقمع.
عيد الأم في ظل القمع: تزييف للواقع وتلميع للديكتاتورية
في مارس 2025، أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة مايا مرسي، أسماء الأمهات المثاليات على مستوى الجمهورية، حيث تم تكريم عدد من الأمهات في احتفالية رسمية. هذه الاحتفالات الرسمية تُستخدم كأداة لتبييض صورة النظام، بينما تُهمَّش معاناة الأمهات المعتقلات وتُخفى قصصهن عن الأعين.
بينما تُنظم الاحتفالات الرئاسية في القصور ويتم اختيار “الأم المثالية” بعناية سياسية، تظل الأمهات الحقيقيات داخل الزنازين يعانين بصمت. لا حق لهن في مكالمة هاتفية، ولا في رسالة من أبنائهن، ولا حتى في التهوية أو الرعاية الصحية.
الآلية الحالية للعفو الرئاسي لا تشمل معظم النساء المعتقلات، إذ يقتصر تأثيرها على الأسماء غير المصنفة كمعارضات نشطات. لم يتم الإفراج سوى عن عدد محدود جدًا من النساء، في حين تُترك الأخريات في ظروف مأساوية، رغم مناشدات المنظمات الحقوقية.
المنظمات الحقوقية تندد والنظام يتجاهل
أصدرت منظمات حقوقية دولية، مثل “هيومن رايتس ووتش”، تقارير توثق الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في السجون المصرية. ورغم هذه التقارير والمناشدات المستمرة، يواصل النظام المصري تجاهل الدعوات للإفراج عن المعتقلات وتحسين أوضاع السجون. بل ويستمر في استخدام القضاء كأداة لقمع المعارضة وترهيب النشطاء، معتمدًا على تهم فضفاضة مثل “الانضمام إلى جماعة محظورة” أو “نشر أخبار كاذبة”.
وفي سياق توسعة السجون عام 2022، نُقل ما يقارب 500 سجينة سياسية من سجن القناطر إلى مجمع سجون وادي النطرون، في خطوة اعتُبرت ترحيلًا جماعيًا لإخفاء الانتهاكات بعيد
ازدواجية الخطاب الرسمي وغياب العدالة
في الوقت الذي يحتفل فيه النظام المصري بعيد الأم بتكريمات شكلية، تستمر معاناة الأمهات المعتقلات في السجون دون أي بادرة أمل في الإفراج عنهن أو تحسين أوضاعهن. هذه الازدواجية بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية تعكس واقعًا مريرًا لحقوق الإنسان في مصر، حيث تُستغل المناسبات الاجتماعية لتلميع صورة النظام، بينما تُهمَّش معاناة الأمهات المعتقلات وتُخفى قصصهن عن الأعين.
إن الاحتفال الحقيقي بعيد الأم يجب أن يبدأ بإطلاق سراح الأمهات المعتقلات، وضمان حقوقهن الأساسية، وتوفير بيئة تحترم حقوق الإنسان وكرامته. دون ذلك، ستظل هذه الاحتفالات مجرد ستار يخفي وراءه واقعًا مؤلمًا من القمع والانتهاكات المستمرة.