في تصعيد جديد يعكس انخراط واشنطن المتزايد في العدوان على اليمن، أعلنت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) عن شن القوات الأمريكية غارتين على جزيرة كمران بمحافظة الحديدة غرب البلاد، في وقتٍ تتكثف فيه الغارات الأمريكية على مناطق سيطرة الجماعة، وتُسجل أرقام متزايدة من الضحايا المدنيين.
ويأتي هذا التطور بعد سلسلة من الهجمات الجوية الأمريكية على صنعاء ومحيطها، وسط تبريرات أمريكية تتمحور حول “ردع التهديدات الحوثية للملاحة”، بينما تظهر خلفيات أكثر تعقيدًا ترتبط بمصالح الاحتلال الإسرائيلي ودور واشنطن في حماية مشروعه في المنطقة.

أمريكا تستهدف اليمنيين.. والذريعة: حماية الملاحة!
على مدار الأسبوعين الماضيين، نفذت القوات الأمريكية عشرات الغارات الجوية على مواقع تقول إنها تابعة للحوثيين في صنعاء والحديدة ومناطق أخرى.
الغارات، بحسب جماعة الحوثي، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بالإضافة إلى أضرار جسيمة في البنية التحتية، دون أن يتم تقديم أدلة أمريكية موثوقة تؤكد طبيعة الأهداف أو علاقتها بأي تهديد مباشر للملاحة البحرية.
الغارات التي طالت منطقة “جدر” شمال صنعاء وأسفرت عن سقوط قتيل وخمسة جرحى، تأتي بالتوازي مع تصريحات للرئيس الأمريكي السابق والمرشح الجمهوري دونالد ترامب، الذي تبنّى الضربات واعتبرها “ضرورية للقضاء على الإرهابيين الحوثيين المدعومين من إيران”.
لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن المدنيين هم الضحايا الرئيسيون لهذه الغارات، التي تفتقر إلى التمييز وتستهدف مناطق مأهولة.
أمريكا، التي تتذرع بـ”تهديدات حوثية للملاحة”، تتجاهل المطالبات الدولية بفتح تحقيقات في استهداف المدنيين، وتُمعن في استخدام الأراضي اليمنية كمسرح لتصفية حساباتها السياسية، في ظل صمت أممي لافت.
ترامب يهدد والاحتلال يستفيد
منشور ترامب على “تروث سوشال” لم يكن مجرد تبنٍّ لغارات أمريكا، بل تضمن تهديدات مباشرة باستمرار التصعيد تحت ذريعة “القضاء على التهديد الحوثي”، مستخدمًا لغة عسكرية غير دبلوماسية، حين قال إن الجيش الأمريكي “يضرب ليلاً ونهارًا بضراوة متزايدة”.
هذه اللهجة تكشف نية واضحة للاستمرار في العدوان، وربما التمهيد لمرحلة جديدة من الحرب المفتوحة ضد اليمن، التي لطالما دفعت ثمن مواقفها الإقليمية، خصوصًا دعمها الصريح للمقاومة الفلسطينية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الغارات الأمريكية المتكررة عن نجاح الحوثيين في استهداف مطار “بن غوريون” بصواريخ باليستية، في إطار دعمهم للمقاومة في غزة. فرغم نفي الاحتلال الإسرائيلي لوقوع إصابات مباشرة، إلا أن إطلاق صافرات الإنذار في القدس و”تل أبيب” الكبرى يشير إلى حجم القلق من تصاعد الجبهة اليمنية الداعمة لفلسطين.
وبالتالي، يبدو أن الرد الأمريكي على هذه الصواريخ يتجاوز مسألة الملاحة أو النفوذ الإيراني، ويتصل مباشرة بحماية “إسرائيل” من أي تهديد خارج الجبهة الشمالية.
الحديدة مجددًا في مرمى النيران.. وخطر التدويل يلوح
استهداف جزيرة كمران في الحديدة بالغارتين الأمريكيتين ليس حدثًا معزولًا، بل يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحصار الذي فُرض على الميناء الرئيسي هناك منذ سنوات، والذي فاقم المأساة الإنسانية في اليمن.
الغارات قد تكون تمهيدًا لمحاولة عزل المدينة الساحلية مجددًا، أو الضغط على جماعة أنصار الله من خلال استهداف الممرات البحرية الحيوية التي تسيطر عليها.
كما أن تكرار الغارات على مناطق مدنية وذات طبيعة خدمية، قد يدفع الحوثيين إلى الرد بعمليات نوعية جديدة، وهو ما قد يُفاقم من احتمالات توسيع نطاق المواجهة، خصوصًا مع دخول أطراف إقليمية وغربية على خط الدعم اللوجستي والاستخباراتي للولايات المتحدة.
هل تجر واشنطن اليمن نحو سيناريو أسوأ؟
ما يجري في اليمن، وتحديدًا في محافظة الحديدة، لا يمكن فصله عن الخارطة الجيوسياسية الأوسع للمنطقة. فالولايات المتحدة، تحت ذرائع “الأمن البحري” ومواجهة “النفوذ الإيراني”، تستخدم قوتها العسكرية لتأديب جماعة أثبتت قدرتها على قلب المعادلات، ليس فقط في الداخل اليمني بل حتى في صميم العمق الإسرائيلي.
ومن هنا، فإن استمرار واشنطن في هذا النهج قد يقود إلى مزيد من التصعيد، ويفتح الباب أمام انخراط أطراف دولية أخرى، ما ينذر بتدويل الصراع أكثر، وزيادة معاناة اليمنيين.
وفي ظل غياب أي موقف دولي حاسم، تبقى الحديدة وسكانها تحت رحمة صواريخ تُطلق من خلف البحار، في معركة يبدو أن أطرافها الحقيقيين لا يقاتلون من أجل اليمن، بل من أجل بقاء “إسرائيل” آمنة.
اقرأ أيضًا : نتنياهو في مواجهة القضاء والانقسام الداخلي: بين محاكمة الفساد وغليان جيش الاحتلال