شهد قطاع غزة خلال الساعات الماضية تصعيدًا عسكريًا عنيفًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي، أسفر عن استشهاد أكثر من 25 فلسطينيًا، وإصابة عشرات آخرين، نتيجة غارات جوية وقصف مدفعي ودبابات وطائرات مسيّرة استهدفت مناطق متفرقة من شمال القطاع إلى جنوبه.
القصف، الذي تركز على مناطق سكنية مكتظة بالمدنيين، يأتي في إطار محاولات الاحتلال المستمرة لإجبار السكان على النزوح القسري نحو مناطق غير مأهولة، في سياق ما يراه كثير من المراقبين سياسة “تهجير ممنهج” يجري تمريره تحت سمع وبصر المجتمع الدولي وبتواطؤ عربي مخزٍ.

الضربات الإسرائيلية: استهداف مباشر للأحياء السكنية
فجر يوم الإثنين، استهدفت طائرات الاحتلال منزلاً لعائلة بركة في منطقة الزنة شرقي خان يونس جنوبي القطاع، ما أدى إلى استشهاد أربعة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.
وأظهرت الصور الأولية من موقع الاستهداف مشاهد مأساوية لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، معظمهم من النساء والأطفال.
كما شنت طائرات الاحتلال غارات عنيفة على مدينة رفح، وبلدة عبسان الكبيرة في جنوب القطاع، ما أدى إلى تدمير واسع للمباني والبنية التحتية، دون سابق إنذار.
وفي شمال غزة، هاجمت طائرات مسيرة إسرائيلية مخيم جباليا المكتظ، بينما استهدفت الطائرات والمدفعية حي الزيتون وحي الشجاعية شرق مدينة غزة.
وفي تطور لافت، كثف جيش الاحتلال صباح الإثنين من غاراته على منطقة النصيرات وسط القطاع، مستخدماً الطيران والمدفعية والزوارق الحربية التي قصفت الشريط الساحلي للمنطقة من جهة البحر. هذا التعدد في أدوات القتل يكشف عن سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الاحتلال في تعامله مع المدنيين في غزة.
مشهد النزوح يتكرر.. تهجير قسري في وضح النهار
في ظل هذا التصعيد العنيف، لم يجد آلاف الغزيين من خيار سوى الفرار إلى المجهول، وسط ظروف إنسانية قاهرة، إذ لجأت مئات العائلات إلى نصب خيام بدائية فوق أنقاض منازلهم المدمرة أو في أراضٍ مفتوحة، كما هو الحال في منطقة الجوازات غربي مدينة غزة.
مشاهد النزوح الجماعي هذه ليست الأولى خلال هذه الحرب، لكنها تأتي في سياق مخطط تهجير قسري مستمر منذ شهور، بهدف تفريغ غزة من سكانها الأصليين.
الاحتلال، وفق مراقبين، يُصعّد من جرائمه كلما اقترب من فرض واقع ديمغرافي جديد في القطاع، مستغلاً الصمت الدولي والتواطؤ الإقليمي، لا سيما من قبل بعض الأنظمة العربية التي امتنعت عن اتخاذ أي موقف حاسم، بل وتواصل خطوات التطبيع مع الاحتلال رغم المجازر المستمرة.
الضغط بالدم والدمار: استراتيجية التهجير بالمجزرة
يرى مراقبون أن الاحتلال يعتمد على استراتيجية مركبة تقوم على تصعيد القصف ضد المدنيين وخلق حالة من الرعب واللاستقرار لدفع السكان إلى النزوح، في ظل غياب البدائل الآمنة. هذا النمط المتكرر من العمليات العسكرية يُعد جزءًا من سياسة إسرائيلية طويلة الأمد، هدفها إعادة تشكيل الخارطة السكانية والسياسية للقطاع.
في هذا السياق، يقول محللون إن استهداف مناطق مثل النصيرات ورفح وحي الزيتون يعكس مساعي الاحتلال إلى القضاء على أي إمكانيات لعودة السكان إلى هذه المناطق لاحقًا، ما يجعلها مناطق “منزوعة الحياة” لصالح مشاريع توسعية أو عسكرية مستقبلية.
تواطؤ عربي وصمت دولي: البيئة المثالية للجريمة
في مقابل هذا التصعيد، تواصل الأنظمة العربية الكبرى، خصوصًا الإمارات والسعودية ومصر، انتهاج سياسة “غض الطرف”، بل يذهب البعض إلى القول إن بعض هذه الدول تلعب دورًا غير مباشر في تمرير سياسات التهجير، عبر فرض حصار مزدوج على القطاع، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، والترويج لخطط إعادة الإعمار المشروطة بإخضاع غزة للمشروع السياسي الإسرائيلي.
أما على المستوى الدولي، فلا تزال ردود الفعل تقتصر على “القلق”، دون اتخاذ خطوات ملموسة لوقف المجازر أو تحميل الاحتلال المسؤولية. وحتى المؤسسات الدولية العاملة في المجال الإنساني، تعاني من عجز واضح في إيصال المساعدات، نتيجة الحصار الإسرائيلي ومنع دخول الوقود والإمدادات الحيوية.
خاتمة: غزة بين نار الاحتلال وصمت الأشقاء
ما يجري في غزة لا يمكن وصفه إلا بأنه عملية تهجير قسري ممنهج تُمارَس عبر القصف والتجويع والحصار.
ومع استمرار سقوط الشهداء وازدياد معاناة السكان، يبقى المشهد مرشحًا لمزيد من الكوارث الإنسانية ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل، وما لم تكف الأنظمة العربية عن لعب دور الشريك الصامت في هذه الجرائم.
إن صمود غزة، رغم الجراح، يواجه أكبر اختباراته في ظل غياب مظلة سياسية تحمي المدنيين، وغياب عدالة دولية تحاسب المجرمين، وتواطؤ أنظمة عربية وضعت علاقاتها مع الاحتلال فوق حقوق الشعب الفلسطيني. ومع كل شهيد يسقط، يزداد إصرار الغزيين على البقاء، رغم كل محاولات اقتلاعهم من أرضهم.
اقرأ أيضًا :تبرير القتل بالإخفاق.. جيش الاحـ ـتـ ـلال يعترف بقتل 15 مسعفاً في غزة