في استمرارٍ لنهج الخرق المنهجي لاتفاق وقف إطلاق النار، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية صباح الخميس بلدة قبريخا في قضاء مرجعيون جنوب لبنان، ما أدى إلى استشهاد مدني وإصابة آخر بجروح، في تصعيد جديد يؤكد أن الجنوب اللبناني لا يزال ساحة مفتوحة أمام الطائرات والصواريخ الإسرائيلية، رغم التفاهمات المعلنة.

 ضربة محددة… ضمن استراتيجية أوسع

الغارة التي نُفذت بصاروخين على أطراف قبريخا لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من الهجمات الإسرائيلية التي شهدها الجنوب اللبناني خلال 24 ساعة، وبلغت حصيلتها 3 شهداء و3 جرحى، وفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية. ومع كل ضربة، تتضح أكثر استراتيجية إسرائيل القائمة على الاستنزاف التدريجي، عبر توجيه ضربات متفرقة ومحددة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ورغم إعلان جيش الاحتلال أن الغارات تستهدف عناصر من “حزب الله”، إلا أن الوقائع على الأرض – ومن ضمنها استهداف سيارة مدنية على طريق تول – الكفور – تبيّن أن المدنيين لا يزالون أهدافًا مباشرة أو جانبية لهذه العمليات.

 اتفاق هش: وقف إطلاق نار على الورق فقط

اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، بعد شهرين من حرب شاملة بدأت في سبتمبر، يبدو أنه يترنح بين الالتزام الشكلي والانتهاك الممنهج. فبحسب بيانات رسمية وتقارير قوات اليونيفيل، نفذت إسرائيل أكثر من 3,000 خرق للهدنة، بما في ذلك قصف مدفعي وجوي طال مناطق سكنية، وأدى إلى مقتل 237 شخصًا، بينهم عدد كبير من المدنيين.

الغارة على قبريخا تمثّل بالتالي اختبارًا آخر لفشل المجتمع الدولي في ردع الانتهاكات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل صمت أممي ودولي مطبق، يجعل من الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لعمليات قتل خارج القانون.

 رسائل الغارة: اغتيالات بلا اجتياح

بحسب مصادر أمنية إسرائيلية، فإن تل أبيب لا تخطط لاجتياح بري شامل للبنان في هذه المرحلة، لكنها تعتبر أن كل ناشط عسكري لحزب الله هو هدف مشروع. هذه الاستراتيجية تعني أن الاغتيالات الدقيقة – بطائرات مسيرة وصواريخ موجهة – ستكون سلاح إسرائيل المفضل خلال المرحلة المقبلة.

والأخطر أن المفهوم الإسرائيلي للهدف المشروع لا يقتصر على المقاتلين، بل يشمل البنية التحتية والطرقات والمزارع والمباني، ما يجعل كل جنوب لبنان ضمن دائرة الخطر.

 قبريخا تحت النار: اختيار الموقع ليس عبثيًا

اختيار بلدة “قبريخا” في قضاء مرجعيون – المعروف بقربه من خط التماس جنوبًا – يُفسّر كجزء من محاولة متكررة لترسيخ معادلات أمنية جديدة، حيث تحاول إسرائيل فرض ما يُعرف بـ”المنطقة المنزوعة النفوذ” التي يُمنع فيها على المقاومة إعادة الانتشار أو ترميم حضورها.

وتشير الغارات المتكررة على مناطق مثل الناقورة وتول والكفور وقبريخا، إلى أن الاحتلال يُدير الصراع على خطوط الجغرافيا العسكرية وليس فقط من منظور استهداف شخصيات بعينها، ما يعكس تنسيقًا استخباراتيًا عاليًا وتحولًا في قواعد الاشتباك.

الغارات لا تنتهي… ولبنان في مهب حسابات الآخرين

رغم اتفاق وقف إطلاق النار، يستمر الاحتلال الإسرائيلي في شنّ عمليات انتقائية مدروسة في جنوب لبنان، مستفيدًا من الصمت الدولي، وعجز مجلس الأمن، وارتباك الساحة اللبنانية التي تعاني سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

ومن قبريخا إلى الناقورة، لا تبدو الغارات الإسرائيلية مجرد عمليات ردع، بل جزء من سياسة أوسع عنوانها تفكيك بنية الجنوب سياسيًا وأمنيًا ومعنويًا، وبثّ رسالة مستمرة لحزب الله وبيئته: لا أمان تحت السماء اللبنانية.

وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال ملحّ:

هل تنجح المقاومة في فرض توازن ردع جديد؟ أم أن إسرائيل ستواصل تقطيع أوصال الجنوب حتى لحظة الانفجار الكبير؟

اقرأ أيضا: حادثة عنصرية تهز لبنان.. صرخة المخرجة لمى الأمين تكشف معاناة الآلاف في لبنان