فجر دموي جديد عاشته مدينة غزة اليوم السبت، مع استمرار الغارات الإسرائيلية التي أوقعت شهداء وجرحى بين المدنيين، وسط تصعيد متزايد في سياسة التهجير القسري بحق سكان القطاع، ضمن ما يرقى إلى مستوى جرائم الحرب الموثقة.

شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات جوية مكثفة على مدينة غزة فجر اليوم، استهدفت بشكل رئيسي الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين. وأفاد مراسل الجزيرة أن أربعة فلسطينيين استشهدوا وأصيب آخرون جراء قصف جوي عنيف استهدف منزلاً في حي الصبرة جنوبي المدينة.

وفي جريمة أخرى، قصفت المقاتلات الإسرائيلية منزلاً داخل مخيم الشاطئ غرب غزة، مما أدى إلى استشهاد ثلاثة مدنيين وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة.

وفي السياق ذاته، قصفت المدفعية الإسرائيلية المناطق الشرقية من المدينة، فيما فتحت الآليات العسكرية المتوغلة نيرانها على الأحياء المجاورة، لا سيما في منطقتي الشجاعية والتفاح، حيث يواصل جيش الاحتلال عملية اجتياح بري موسعة، مترافقة مع نسف للبيوت السكنية في مشهد يعيد إلى الأذهان مآسي التهجير القسري والنكبة.

وتُضاف هذه الجرائم إلى سجل طويل من الاعتداءات، إذ كان الطيران الإسرائيلي قد قصف أمس الجمعة مدرسة تؤوي نازحين في حي اليرموك وسط مدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة آخرين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الذي يحمي المنشآت المدنية ومراكز الإيواء الإنسانية.

 

تصعيد دموي وجرائم تهجير قسري

لا تقتصر جرائم الاحتلال الإسرائيلي على الغارات، بل تشمل سياسة ممنهجة لدفع الفلسطينيين نحو النزوح القسري. فقد هدّد جيش الاحتلال أمس سكان أحياء التركمان والجديدة وشمال شرق حي الزيتون بضرورة المغادرة الفورية باتجاه مناطق غرب المدينة، بزعم وجود أنشطة للمقاومة داخل تلك الأحياء.

وسبق أن هجّر الاحتلال الآلاف من سكان أحياء الشجاعية والتفاح شرقي غزة، ودفع آلاف العائلات إلى النزوح من بيت حانون ومناطق أخرى شمال القطاع، تاركين خلفهم بيوتهم وأرزاقهم وسط ظروف إنسانية مأساوية.

الواقع أن هذه الممارسات تندرج ضمن إطار سياسة العقاب الجماعي، وهو ما يُعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الإنساني الدولي. فالتهجير القسري للسكان، سواء بالتهديد أو باستخدام القوة العسكرية المباشرة، يمثل انتهاكًا واضحًا لكل الأعراف والقوانين الدولية.

وتشير التقارير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يستهدف ضرب البنية المجتمعية لغزة عبر إفراغ مناطق كاملة من سكانها، مما يفتح الباب لاحقًا أمام سيناريوهات خطيرة قد تصل إلى محاولة فرض تغييرات ديمغرافية قسرية في القطاع المنكوب.

استهداف المدنيين وجرائم حرب موثقة

بحسب آخر الإحصاءات، أسفرت الغارات الإسرائيلية المستمرة منذ استئناف الحرب في 18 مارس/آذار الماضي عن استشهاد أكثر من ألفي فلسطيني وإصابة حوالي 4500 آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال.
كما وثقت تقارير حقوقية مستقلة ومنظمات أممية استهداف مدارس ومراكز طبية وملاجئ للنازحين، في انتهاكات صارخة لاتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

وأمس الجمعة وحده، أوقع القصف الإسرائيلي نحو 48 شهيدًا، بينهم 19 شخصًا قضوا في غارتين على منزلين بمنطقتي مرتجى والفخاري في خان يونس جنوبي القطاع، ما يعكس حجم المجازر اليومية التي يرتكبها الاحتلال بحق المدنيين.

في المقابل، يتباهى المسؤولون الإسرائيليون بعملياتهم العسكرية، حيث لوّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس وقائد الأركان إيال زامير بتكثيف الغارات واحتلال مزيد من المناطق داخل القطاع، تحت ذريعة “الضغط الأقصى” على المقاومة الفلسطينية، في تجاهل تام للأرواح البريئة التي تُزهق يوميًا.

خطط إسرائيلية لتوسيع الحرب ونزوح إضافي متوقع

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع نطاق عملياته البرية في غزة، مشيرة إلى خطط لاحتلال مزيد من الأراضي داخل القطاع. كما أعلن الجيش عن استدعاء مزيد من جنود الاحتياط خلال الأيام المقبلة.

ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، استولى الجيش الإسرائيلي حتى الآن على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، استنادًا إلى خرائط نشرها الجيش الإسرائيلي ذاته. وهو ما يعني أن عمليات النزوح القسري مرشحة للتزايد، مع تعرض ما تبقى من سكان القطاع إلى مزيد من التهجير والمآسي.

في ظل هذا التصعيد، يتفاقم الوضع الإنساني في غزة بصورة كارثية، مع نفاد المواد الغذائية والطبية وتفشي الأوبئة وسط مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في ظروف لا تليق بالبشر.

يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في ارتكاب جرائم الحرب بلا رادع، مستندًا إلى غطاء سياسي دولي متواطئ، بينما يدفع سكان غزة الثمن الباهظ وحدهم، بين شهيد وجريح ومهجر. ومع استمرار الصمت الدولي، تتواصل مأساة غزة، ويُكتب فصل جديد في سجل الجرائم التي لن تسقط بالتقادم.

اقرأ أيضًا : لقطات مصورة تكشف جبن الاحتلال وتؤكد على صلابة أصحاب الأرض