بينما تتساقط أجساد الغزيين تباعاً تحت وطأة الجوع والتجويع، أعلنت مصادر طبية في مجمع ناصر بخان يونس، مساء الاثنين، عن استشهاد الفتاة رحيل محمد رصرص، من ذوي الاحتياجات الخاصة، نتيجة مضاعفات سوء التغذية والجفاف.
مشهد مأسوي صار مألوفاً في قطاع غزة، الذي يشهد واحدة من أفظع سياسات التجويع في العصر الحديث. رحيل، التي انخفض وزنها من 50 إلى 25 كيلوغراماً خلال أشهر، لم تكن سوى واحدة من عشرات الضحايا الذين يسقطون بصمت بسبب سياسة التجويع الممنهج، وسط صمت دولي وتواطؤ إقليمي قاتل.

النكبة الغذائية: سياسة ممنهجة لا مجرّد أزمة إنسانية
ما يجري في غزة لا يمكن اعتباره أزمة طارئة أو وضعاً إنسانياً مؤقتاً، بل هو سياسة تجويع متعمد تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ شهور، عبر الحصار المطبق ومنع دخول الغذاء والدواء، واستهداف المدنيين الجائعين في طوابير الإغاثة.
فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع أن 20 شخصاً استشهدوا بسبب الجوع خلال 48 ساعة فقط، ليرتفع عدد الضحايا نتيجة سوء التغذية إلى 86 شهيداً حتى اللحظة، بينهم 76 طفلاً. أرقام تعكس حجم الكارثة، لكنها لا تكشف إلا عن قمة جبل الجليد في مأساة شعب محاصر.
مشاهد الإغماء المتكرر في الشوارع والمستشفيات، وأجساد الأطفال المنهكة، ليست إلا دلائل يومية على دخول غزة في مرحلة المجاعة رسمياً، حتى وإن لم تعلن الأمم المتحدة ذلك بعد. وبحسب مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، فإن القطاع يمر بأسوأ مراحله الإنسانية، مع تزايد أعداد الوفيات والإصابات الناتجة عن سوء التغذية.
تحذيرات دولية.. ومساعدات محاصرة
التحذيرات تتوالى من المنظمات الأممية والحقوقية، دون أن يتغير شيء على الأرض. فقد صرّحت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، عبير عطيفة، بأن القطاع على أعتاب إعلان رسمي للمجاعة بحلول سبتمبر/أيلول المقبل، إذا استمر الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال المساعدات الإنسانية. لكن الحقيقة أن المجاعة واقعة فعلياً، لا تنتظر إعلاناً أممياً لتصبح شرعية.
أما مدير الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، روس سميث، فكشف أن البرنامج لم يتمكن منذ منتصف مايو/أيار من إدخال أكثر من 10% من الاحتياجات الغذائية اليومية للقطاع، رغم توفر مساعدات كافية لإطعام سكان غزة شهرين على الأقل، لو توفرت “الظروف التشغيلية المناسبة”، في إشارة إلى المعابر المحاصرة والنار التي تتلقف القوافل الغذائية.
ويؤكد المقرر الأممي الخاص بالحق في الغذاء، مايكل فخري، أن “العالم لم يشهد حالة تجويع بهذه الوحشية في تاريخه الحديث”، ما يعكس أن ما يجري لا يمكن عزله عن سياق الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بحق سكان القطاع.
انهيار المستشفيات.. والعدو يستهدف البنية الصحية
لا يقف الحصار عند حدود الغذاء فقط، بل يطول المستشفيات والبنية الصحية، في سياق تجريد المجتمع من كل أدوات البقاء. فحسب وزارة الصحة، لم يتبقَ سوى 16 مستشفى تعمل جزئياً من أصل 38، وسط نقص حاد في الأدوية، وانهيار في الأجهزة والمستلزمات الطبية، نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المتكرر للمراكز الصحية.
وبينما تتفاقم الحاجة للعلاج والغذاء، تزداد أعداد المصابين والمرضى الذين يموتون ببطء في ممرات المستشفيات، أو في منازلهم التي أصبحت أشبه بالمقابر.
خيانة الحصار.. ودور السيسي في خنق غزة
وفيما يحمّل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكبرى عن المجاعة، لا يمكن تجاهل الدور المصري، الذي أُعيد تفعيله بوجه أكثر قسوة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. إذ يواصل نظام عبد الفتاح السيسي إغلاق معبر رفح لفترات طويلة، ويضع عراقيل لوجستية وأمنية أمام مرور المساعدات والمصابين، رغم نداءات المؤسسات الطبية والإنسانية.
المعبر الذي من المفترض أن يكون شريان حياة غزة، أصبح بيد نظام القاهرة أداة ضغط سياسي وأمني، يستغلها السيسي لابتزاز المقاومة الفلسطينية، ولضمان رضا الحلفاء في تل أبيب وواشنطن، في صورة تعكس التواطؤ الإقليمي مع مشروع التجويع والإبادة.
كما تؤكد منظمات حقوقية أن القاهرة تفرض رقابة مشددة على إدخال أي مساعدات إنسانية عبر أراضيها، وتتحكم في نوعية الإمدادات والجهات التي تستلمها، ما يتناقض تماماً مع واجبها القانوني والإنساني تجاه سكان قطاع محاصر.
خاتمة: الموت صامتاً في غزة.. فمن يتحمّل المسؤولية؟
يموت الغزيون جوعاً، بينما يشاهد العالم صور الأطفال الهزلى، والنساء المهدّمات، والشيوخ العاجزين، دون أن يتجاوز رده بيانات القلق والتنديد. المجاعة في غزة ليست مجرد نتيجة طبيعية للحرب، بل هي سلاح فتاك بطيء، تم استخدامه عن قصد لتكسير إرادة مجتمع كامل. مسؤولية ما يحدث لا تقع على الاحتلال وحده، بل تمتد لتشمل كل من يشارك في الحصار، أو يصمت عنه، أو يبرره تحت غطاء السياسة والمصالح.
اقرأ أيضًا : السيسي يستغيث بالبنتاغون: نهر النيل يتصدّر لقاءه مع قائد “سنتكوم” وسط تصاعد الأزمات