في تحذير أممي يُجسد المأساة، أطلقت مسؤولة بارزة في الأمم المتحدة نداءً عاجلاً للعالم، مؤكدة أن قطاع غزة يعيش “أسوأ كارثة إنسانية شاملة”، حيث لم يعد الجوع مجرّد تهديد، بل واقع قاسٍ يفتك بالأحياء في صمت، ويهدد بإبادة من تبقى على قيد الحياة.
في ظل حصار خانق، وانهيار شامل للمنظومة الصحية، ومساعدات شبه معدومة، يتزايد خطر المجاعة الحقيقية مع كل ساعة تمرّ، بينما يواصل المجتمع الدولي الصمت والخذلان.

كارثة إنسانية مكتملة الأركان
في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكثر من تسعة أشهر، بات القطاع ساحة لكارثة إنسانية شاملة وغير مسبوقة، وفق ما أكدت أولغا شيريفكو، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. فالأطفال ينامون على الأرصفة، والمرضى يُحتضرون أمام المستشفيات، والأمهات يبكين جوعًا لا يُسكت صراخ صغارهن. الوضع لم يعد يُحتمل، والجوع لم يعد خطرًا يلوح بالأفق، بل أصبح واقعًا ينهش أجساد المدنيين، ويُهدد حياتهم في كل لحظة.
بسبب الحصار المستمر، وشحّ المساعدات، وانهيار البنية التحتية، أُجبرت مئات آلاف العائلات على النزوح إلى مناطق غير صالحة للسكن، حيث لا تتوفر سوى 17% فقط من الأراضي القابلة للعيش. وفيما يفترش الناس الشوارع، ويبيتون دون مأوى، تتكاثر الأمراض وتنتشر العدوى وسط انعدام المياه النظيفة وانهيار خدمات الصرف الصحي.
نقص فادح في المساعدات وقيود على الإغاثة
رغم نداءات الأمم المتحدة المتكررة، فإن ما يصل من مساعدات إلى غزة لا يساوي “قطرات لا تحدث فرقًا”، كما وصفت شيريفكو، التي أشارت إلى أن استمرار آلية توزيع المساعدات الحالية يزيد من تفاقم الأزمة ويُغرق المدنيين في دوّامة من اليأس. فالمساعدات التي تدخل محدودة، وفي كثير من الأحيان، لا يمكن إيصالها بسبب العمليات العسكرية أو بسبب منع الاحتلال مرورها من المعابر.
المخيمات المتاحة مكتظة بشكل خانق، والنظافة والخدمات فيها تكاد تكون معدومة، ما تسبب في ظهور أمراض خطيرة بين الأطفال وكبار السن. أما الأدوية، فقد نفدت منذ شهور، والمستشفيات تعمل فوق طاقتها دون كهرباء كافية أو وقود لتشغيل المولدات.
شيريفكو أوضحت أن التنقل داخل غزة لتوزيع المساعدات أصبح مهمة شبه مستحيلة، في ظل قيود الاحتلال، والتنسيق المرهق مع القوات على الأرض. وفي بعض الأحيان، لا تستطيع الفرق الإنسانية التحرك إلا بعد ساعات من الانتظار أو حتى وقف مؤقت للعمليات العسكرية.
المنظومة الصحية تنهار والمجاعة تطرق الأبواب
المنظومة الصحية في غزة باتت في حالة شلل كامل، خاصة في شمال القطاع، حيث لا يعمل أي مستشفى تقريبًا. وتواجه المستشفيات الأخرى – إن وجدت – تدفقًا هائلًا من الجرحى والمصابين، دون القدرة على تقديم أي نوع من الرعاية بسبب نقص الأدوية والمعدات.
من جهة أخرى، يعاني القطاع من أزمة وقود تهدد بإغلاق ما تبقى من مستشفيات ومحطات المياه، ما يعني المزيد من الوفيات خلال أيام إذا استمر هذا الوضع.
ولعلّ أكثر ما يُجسّد فداحة الوضع، ما أوردته الأمم المتحدة عن مقتل أكثر من 400 مدني أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية. هؤلاء الأشخاص لم يموتوا بفعل الحرب فحسب، بل ماتوا وهم يسعون فقط للبقاء على قيد الحياة، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة “انتهاكًا مروعًا” للقانون الدولي الإنساني.
كرامة مهدورة ومخاوف من إبادة جماعية صامتة
كرامة الفلسطينيين في غزة لم تُهدر فقط، بل سُحقت تحت أقدام الحصار والقصف والجوع، بحسب المتحدثة الأممية. فخطة توزيع المساعدات الحالية لا تراعي أبسط المعايير الإنسانية، وتُجبر المدنيين، بمن فيهم كبار السن وذوو الإعاقة، على تعريض أنفسهم للخطر والمهانة في طوابير لا نهاية لها.
ولدى سؤال الناس عن رأيهم في هذه الآلية، أجمعوا على وصفها بأنها “مهينة ومذلّة وتعرّضهم للموت”، وفق قول شيريفكو، التي أكدت أن واحدًا من كل خمسة أشخاص في غزة الآن مُعرض لخطر الجوع الشديد، وأن المجاعة لم تعد خطرًا مستقبليًا بل واقعًا حاليًا.
أما عام 2024، فقد وصفته شيريفكو بأنه “الأكثر دموية على الإطلاق” بالنسبة للمدنيين والعاملين الإنسانيين في غزة، مع مقتل أربعة من عمال الإغاثة خلال الأيام الماضية، مما يُعد جريمة لا يمكن التسامح معها.
دعوات لوقف إطلاق النار فورًا وخطة إنسانية عاجلة
التحذير الأممي لا يكتفي بتوصيف الكارثة، بل يدعو إلى إجراءات فورية لإنقاذ من تبقى من المدنيين. على رأس هذه الإجراءات: وقف إطلاق نار شامل وحقيقي، يسمح بمرور المساعدات دون عوائق، ويضمن حماية المدنيين. وتطالب الأمم المتحدة بتطبيق خطة إنسانية شاملة، تُعيد توزيع المساعدات بطريقة آمنة وكريمة عبر معابر متعددة وممرات إنسانية.
كما شددت شيريفكو على أن أي خطة إغاثة يجب أن تلتزم بالمبادئ الدولية، وأن الأمم المتحدة ترفض المشاركة في أي آلية تنتهك حقوق الناس أو تُعرّض حياتهم للخطر.
خاتمة: هل يسمع العالم صرخة غزة؟
التحذيرات الأممية لم تعد مجرد بيانات دبلوماسية، بل صرخة إنسانية من وسط الجوع والقهر والدمار. ومع اقتراب القطاع من المجاعة الجماعية والانهيار التام، يُصبح الصمت الدولي جريمة إضافية بحق الشعب الفلسطيني. وبينما تحاصر إسرائيل أكثر من مليونَي إنسان، وتمنع عنهم الماء والغذاء والدواء، يبقى الأمل معقودًا على تحرك عاجل من الضمير العالمي، قبل أن تبتلع المجاعة آخر شهود هذه الجريمة.
اقرأ أيضًا : إسرائيل تُقر باستهداف طالبي المساعدات في غزة: جريمة متكررة بدعم أمريكي