اندلعت مظاهرات شعبية غاضبة في عدة عواصم ومدن عربية، مساء الثلاثاء، تنديدًا بعودة العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، في ظل صمت رسمي وتخاذل عربي عن اتخاذ مواقف رادعة تجاه الاحتلال.
وشهدت المسيرات مشاركة واسعة من مختلف الفئات المجتمعية، حيث رفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات تندد بجرائم الاحتلال، مطالبين باتخاذ إجراءات عملية لدعم المقاومة الفلسطينية وردع الاحتلال عن ارتكاب مزيد من المجازر بحق المدنيين العزّل.
وفي لبنان، خرجت مسيرة حاشدة في منطقة “برج البراجنة”، عبّر خلالها المتظاهرون عن تضامنهم الكامل مع الشعب الفلسطيني، واستنكارهم للهجمات الإسرائيلية المتصاعدة على قطاع غزة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 400 شهيد خلال ساعات قليلة.
المشهد نفسه تكرر في الأردن، حيث شهدت العاصمة عمّان، إلى جانب مدن أخرى مثل إربد والزرقاء والعقبة، احتجاجات واسعة استجابة لدعوات قوى شعبية وحراكية والحركة الإسلامية.
وطالب المحتجون الحكومة الأردنية بإلغاء اتفاقية وادي عربة ووقف كافة أشكال التعاون مع الاحتلال، بما في ذلك الصفقات التجارية واتفاقية الغاز.
وفي المغرب، تظاهر المئات في العاصمة الرباط أمام مبنى البرلمان، حاملين صور المسجد الأقصى والأعلام الفلسطينية، ومطالبين المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف العدوان الإسرائيلي.
كما نظمت وقفات احتجاجية مماثلة في الضفة الغربية ومدينة “حماة” السورية، حيث هتف المتظاهرون للمقاومة ودعوا إلى تحرك عربي وإسلامي واسع لإنقاذ غزة من آلة الحرب الإسرائيلية.
![]()
الشعوب تدعم المقاومة.. والحكومات تواصل التخاذل
في ظل هذه الموجة العارمة من التضامن الشعبي مع غزة، تبرز الفجوة العميقة بين مواقف الشعوب وحكوماتها التي تتعامل مع القضية الفلسطينية كملف دبلوماسي هامشي، بدلاً من كونه قضية عربية وإسلامية مصيرية.
فبينما خرج الآلاف في الشوارع رفضًا للعدوان الإسرائيلي، واصل القادة العرب انتهاج سياسات باردة تتراوح بين بيانات الشجب والإدانة اللفظية، دون اتخاذ أي خطوات فعلية لردع الاحتلال أو دعم المقاومة الفلسطينية بشكل عملي.
وقد انتقد المتظاهرون بشدة هذا التخاذل، معتبرين أن الأنظمة العربية تتماهى مع المصالح الغربية أكثر من انحيازها لقضايا شعوبها.
ففي الأردن، دعا المتظاهرون الحكومة إلى إنهاء كافة أشكال التطبيع مع الاحتلال، متهمين بعض الأنظمة العربية بالتواطؤ مع الاحتلال، سواء عبر صفقات اقتصادية مشبوهة أو من خلال التضييق على الحراكات الشعبية الداعمة لفلسطين.
وفي المغرب، وجه المحتجون انتقادات حادة لاتفاقيات التطبيع التي وقعتها بعض الدول العربية مع الاحتلال، معتبرين أنها أعطت “الضوء الأخضر” للعدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة.
ويبدو أن تصاعد الغضب الشعبي قد وضع بعض الحكومات في موقف حرج، خاصة في الدول التي ترتبط بعلاقات رسمية مع الاحتلال.
ففي الوقت الذي يتظاهر فيه المواطنون دعمًا لغزة، تتجنب الحكومات اتخاذ مواقف أكثر حزمًا خوفًا من الضغوط الغربية، لا سيما الأمريكية، والتي تستمر في توفير الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال الإسرائيلي.
حماس: الشعوب العربية هي السند الحقيقي للمقاومة
وفي هذا السياق، أصدرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بيانًا أشادت فيه بالمواقف الشعبية العربية والإسلامية الرافضة للعدوان الإسرائيلي، معتبرة أن هذه المواقف تعكس الروح الحقيقية للأمة رغم محاولات بعض الحكومات خنق أي دعم للمقاومة الفلسطينية.
ودعت الحركة الدول الصديقة والشعوب الحرة إلى تكثيف الضغوط على حكوماتها لدفعها لاتخاذ مواقف أكثر جدية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية الفارغة.
كما طالبت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف المجازر الإسرائيلية، مؤكدة أن الاحتلال لا يمكن أن يوقف عدوانه إلا إذا واجه مقاومة شرسة، ليس فقط من الميدان، ولكن أيضًا على المستوى السياسي والدبلوماسي والإعلامي.
وأشارت “حماس” في بيانها إلى أن الدعم الشعبي المتزايد لفلسطين يثبت أن خيار المقاومة ما زال حاضرًا بقوة في وجدان الأمة، رغم محاولات بعض الأنظمة طمسه من خلال سياسات القمع والتطبيع.
وختمت بيانها بالدعوة إلى تصعيد الاحتجاجات والتحركات الداعمة لفلسطين، مؤكدة أن الضغط الشعبي هو السبيل الوحيد لإجبار الحكومات على اتخاذ مواقف أكثر جرأة تجاه الاحتلال.
ختامًا.. بين صمود الشعوب وتخاذل الحكام
تعكس هذه المظاهرات حالة وعي متزايدة لدى الشعوب العربية، التي تدرك أن القضية الفلسطينية ليست مجرد أزمة إنسانية، بل معركة تحرر وكرامة تمس جميع العرب والمسلمين.
لكن في المقابل، تستمر الحكومات العربية في انتهاج سياسات المهادنة والخضوع للمصالح الغربية، في وقت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة متجددة.
وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال مطروحًا: إلى متى ستبقى الفجوة قائمة بين إرادة الشعوب وتخاذل الحكام؟ وهل ستدفع هذه الموجة من الغضب الشعبي الحكومات إلى تغيير مواقفها أم أنها ستواصل الرضوخ للضغوط الخارجية؟ ما هو مؤكد حتى الآن، هو أن الشعوب العربية أثبتت مرة أخرى أنها لن تتخلى عن فلسطين، حتى لو تخلت عنها حكوماتها.
اقرأ أيضًا : استشهاد قادة حماس ومسؤولين أمنيين في غزة.. تضحيات مستمرة على طريق المقاومة