أثار الفتح التجريبي لمعبر رفح موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تبيّن أن الاحتلال الإسرائيلي حوّل ما رُوّج له باعتباره “بصيص أمل” لسكان قطاع غزة إلى أداة جديدة للابتزاز والتحكم، عبر حزمة معقدة من القيود الأمنية والإجرائية التي تُبقي الحصار قائمًا بصيغ أكثر قسوة وإذلالًا. وبينما ينتظر آلاف المرضى والجرحى والطلبة عودة الحياة إلى هذا المنفذ الحيوي، يرى كثيرون أن ما يجري لا يخرج عن كونه إعادة إنتاج لجريمة الحصار نفسها، ولكن بواجهة “تنظيمية” جديدة.

فتح شكلي وحصار فعلي

بحسب ما جرى الإعلان عنه، ستقتصر الحركة عبر معبر رفح على الأفراد فقط، وبأعداد شديدة المحدودية لا تتجاوز 150 مغادرًا يوميًا، مقابل 50 عائدًا إلى القطاع. ولا تشمل هذه المرحلة أي مرور للبضائع أو شاحنات المساعدات، رغم الانهيار شبه الكامل في القطاعات الصحية والغذائية والخدمية داخل غزة. هذا التقييد الصارم دفع مغردين إلى وصف الفتح بأنه “إجراء تجميلي” لا يمس جوهر الأزمة، بل يرسّخها.

موافقة أمنية إسرائيلية: سيطرة كاملة

أبرز ما فجّر الغضب هو اشتراط الاحتلال الحصول على “موافقة أمنية إسرائيلية مسبقة” لكل من يرغب في المرور. فالأسماء تُراجع أولًا بالتنسيق مع السلطات المصرية، ثم تُرسل إلى جهاز الشاباك لمنح القرار النهائي. ويرى ناشطون أن هذا الإجراء يحوّل المعبر فعليًا إلى نقطة تحكم إسرائيلية، رغم كونه المنفذ الوحيد الذي لا يفترض أن يخضع للسيطرة المباشرة للاحتلال، ما يشكل انتهاكًا صارخًا للسيادة والحقوق الإنسانية الأساسية.

تفتيش وإذلال على محور فيلادلفيا

أما العودة إلى غزة فستكون أكثر تعقيدًا، إذ سيخضع العائدون لآليات تفتيش إسرائيلية دقيقة تشمل أجهزة كشف المعادن وتقنيات التعرف على الوجوه، على محور فيلادلفيا الخاضع لسيطرة الاحتلال. ووفق ما جرى تداوله، فإن الدخول سيكون محصورًا فقط بمن غادروا القطاع خلال الحرب، في إجراء اعتبره كثيرون عقابًا جماعيًا ومنعًا تعسفيًا لحق العودة والتنقل، ويكشف عن عقلية أمنية ترى في كل فلسطيني “مشروع تهديد”.

إشراف أوروبي… غطاء دولي؟

سيجري تشغيل المعبر بإشراف بعثة من الاتحاد الأوروبي، بدعوى توفير رقابة دولية وضمان نزاهة الإجراءات. إلا أن هذا الدور قوبل بتشكيك واسع، إذ اعتبر مغردون أن الوجود الأوروبي لا يتعدى كونه غطاءً سياسيًا لإجراءات الاحتلال، طالما أن القرار الفعلي يبقى بيد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وطالما أن المعبر لا يُستخدم لإدخال المساعدات أو كسر الحصار.

المرضى والطلبة: معاناة مضاعفة

يضم قطاع غزة قائمة بنحو 22 ألف مريض ومصاب بحاجة ماسة إلى السفر للعلاج في الخارج، بينهم مئات من مرضى الفشل الكلوي، الذين تشير تقديرات إلى وفاة نحو 50% منهم بسبب نقص العلاج خلال الحرب. ورغم إدراج المرضى ضمن الفئات المسموح لها بالمغادرة، فإن الأعداد المحدودة والإجراءات البطيئة تعني عمليًا حكمًا بالإعدام البطيء على آلاف الحالات الحرجة. الأمر ذاته ينطبق على الطلبة، الذين ضاعت أعوامهم الدراسية خلف بوابات مغلقة، ولا تُمنح الأولوية إلا لمن حصل على قبول جامعي أو تأشيرة جاهزة، وكأن الحق في التعليم امتياز لا حق أصيل.

غضب رقمي واتهام بإجرام الاحتلال

في برنامج “شبكات”، عبّر مغردون عن قناعتهم بأن الاحتلال يستخدم معبر رفح كأداة عقاب جماعي، وأن ما يجري هو امتداد مباشر لإجرامه المنهجي بحق الفلسطينيين، عبر التحكم في أبسط حقوقهم: العلاج، التعليم، والتنقل. واعتبروا أن إعادة الفتح بهذه الشروط لا تُنهي المأساة، بل تُبقيها معلّقة على مزاج أمني إسرائيلي، في خرق فاضح للقانون الدولي الإنساني.

تحذير المقاومة من حصار جديد

في هذا السياق، دعت حركة المقاومة الإسلامية حماس الوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى مراقبة سلوك الاحتلال في معبر رفح، محذّرة من أن هذه الآلية قد تكون مقدمة لإعادة فرض حصار جديد على غزة بوسائل “ناعمة”. التحذير يعكس خشية حقيقية من أن يتحول المعبر إلى أداة ضغط سياسي وأمني، بدل أن يكون رئة إنسانية للقطاع المنكوب.

حصار بلا دبابات

ما يتكشف اليوم، بحسب مراقبين، هو نموذج جديد من الحصار: بلا دبابات عند البوابة، لكن بقرارات أمنية، وقوائم أسماء، وأجهزة تفتيش، وأرقام يومية لا تكفي لإنقاذ الأرواح. وهو ما يجعل الغضب على المنصات ليس مجرد تفاعل عابر، بل صرخة ضد إجرام احتلال يبدع في إعادة إنتاج القمع، حتى في لحظات يُفترض أن تكون إنسانية.

اقرا أيضًا : إجرام الاحتلال يتواصل: 37 شهيدًا في غزة رغم وقف إطلاق النار