في مشهد أثار جدلًا واسعًا وأعاد إلى الواجهة أسئلة حول حقيقة الموقف السعودي من وحدة اليمن، ظهر وفد عسكري سعودي في العاصمة المؤقتة عدن، السبت، إلى جانب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، عيدروس الزبيدي، تحت راية الانفصال، في غياب كامل لعلم الجمهورية اليمنية. 

هذا الغياب، الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، لم يُفسَّر من قبل كثيرين كمجرد تفصيل بروتوكولي، بل كإشارة سياسية عميقة تعكس مسارًا جديدًا في إدارة التحالف العربي للملف اليمني، وربما تمهيدًا لتقسيم البلاد.

مشهد استفزازي ورسائل مضمرة

اللقاء الذي جمع الزبيدي – وهو عضو في مجلس القيادة الرئاسي – بالعقيد عوض العتيبي، مساعد قائد قوات الواجب 802 السعودية، ركز – بحسب الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي – على بحث التعاون الميداني ودعم برامج التدريب لرفع جاهزية القوات في عدن والمناطق التي يصفها المجلس بـ”المحررة”. غير أن الصورة التي انتشرت من قاعة اللقاء، وقد تصدرتها راية دولة الجنوب السابقة قبل وحدة 1990، خطفت الأضواء وأثارت موجة انتقادات واسعة.

رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم، سيف الحاضري، اعتبر أن المشهد رسالة سياسية “في توقيت شديد الحساسية”، خاصة مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية لفرض “خارطة طريق” عبر مفاوضات مسقط، وهي خارطة – برأيه – تميل نحو شرعنة الأمر الواقع وتفكيك الشرعية إلى مكونات متساوية. وجود علم الانفصال، كما يقول، هو إقرار ضمني بكيان سياسي موازٍ، بل واختبار لردود الأفعال قبل تعميم التعامل معه دوليًا.

اتهامات مباشرة للسعودية بتمرير مشروع الانفصال

بعض الناشطين اليمنيين ذهبوا أبعد من ذلك. منير المحجري وصف ما حدث بأنه “إعلان سعودي رسمي بقبول تفكيك اليمن”، مؤكداً أن رفع الزبيدي لراية الانفصال في لقاء رسمي ما كان ليتم دون ضوء أخضر من الرياض. واعتبر أن ما جرى ليس مفاجئًا، بل هو تتويج لسياسات سعودية تُمارَس “من تحت الطاولة” منذ عشر سنوات، لكن الجديد هو الانتقال بها إلى العلن.

الطبيب والناشط السياسي عبدالقادر الجنيد رأى أن الصورة “خير من ألف كلمة”، معتبرًا أن الوفد العسكري السعودي جرى استغلاله لترسيخ فكرة الانفصال، متسائلًا عن طبيعة “التعاون المشترك” الذي يُبحث تحت هذه الراية، في ظل أن الزبيدي يعلن نفسه “رئيس الجنوب العربي” وينفي صلته بالجمهورية اليمنية رغم منصبه الرسمي.

دور إماراتي وأبعاد استراتيجية

من جهته، حاول الناشط عبدالعزيز النقيب تفسير المشهد على أنه “مؤامرة” رتبتها أبوظبي والزبيدي، مستغلين صغر رتبة الموفد السعودي الذي قد يكون تعامل مع اللقاء كإطار عسكري بحت، من دون إدراك أبعاده السياسية. هذه القراءة تتقاطع مع حقيقة أن المجلس الانتقالي الجنوبي تأسس بدعم إماراتي مباشر عام 2017، وحصل على تمويل وتسليح مكثف مكّنه من فرض سيطرة أمنية وعسكرية على عدن ومحافظات جنوبية أخرى، في ظل تحالف معلن مع أبوظبي التي تسعى لترسيخ نفوذها على الموانئ والجزر اليمنية.

غياب العلم اليمني لم يكن سابقة مطلقة، فقد حدث أمر مشابه في يونيو/حزيران الماضي، حين نظمت قوات “درع الوطن” المدعومة من السعودية عرضًا عسكريًا في المهرة، دون أي حضور لرموز الدولة اليمنية، ما أثار تساؤلات مشابهة حول حدود الولاء والانتماء المؤسسي لتلك التشكيلات العسكرية التي تشكلت بأوامر رئاسية لكنها تحظى بوصاية مباشرة من الرياض.

نحو تثبيت واقع التقسيم؟

اللافت أن هذه التطورات تتزامن مع متغيرات ميدانية وسياسية واقتصادية: تحسن نسبي في قيمة العملة، شعور بالانفراج المعيشي في بعض المناطق، وضغوط إقليمية لإغلاق ملف الحرب عبر تسويات جزئية. ويرى مراقبون أن هذا “التحسن المؤقت” قد يُستخدم لتخفيف حدة الاعتراض الشعبي، بينما يجري في الكواليس إعادة صياغة الخارطة السياسية لليمن بما يفتح الباب أمام تقسيم فعلي بين شمال وجنوب.

من الناحية الاستراتيجية، تبدو الإمارات المستفيد الأكبر من هذا المسار، إذ يتيح لها تكريس نفوذها في الموانئ والجزر، فيما قد تسعى السعودية إلى ضمان نفوذ أمني واقتصادي في المناطق الشرقية والحدودية مع سلطنة عمان، من خلال قوات موالية لها شكلًا ومنفصلة عن الإطار المؤسسي للدولة اليمنية فعليًا.

في المحصلة، مشهد العلم الغائب والراية الحاضرة لم يكن مجرد صدفة بروتوكولية، بل جزءًا من لعبة أكبر تُدار بأدوات التحالف نفسه. وإذا ما استمرت هذه الإشارات على حالها، فإن اليمن قد يجد نفسه أمام واقع سياسي جديد، عنوانه العريض: تقسيم مُعلَن، بغطاء إقليمي، وتحت مسمى “التسوية الشاملة”.

اقرأ أيضًا : اشتباكات بين فصائل المجلس الانتقالي في عدن: حرب ميليشيات تجلبها الإمارات