تسرّيب إلكتروني واسع ضرب أحد أبرز واجهات أبو ظبي المالية، بعدما كُشف عن نشر وثائق شخصية حساسة تخص مئات المشاركين في “أسبوع أبو ظبي المالي”، الحدث الاستثماري الأهم الذي تنظمه الإمارة سنويًا لاستقطاب كبار المستثمرين ومديري الأصول حول العالم.

الوثائق التي عُثر عليها على خادم تخزين سحابي غير محمي ارتبط بالفعالية، تضمنت نسخًا ممسوحة ضوئيًا لأكثر من 700 جواز سفر وبطاقات هوية رسمية، إلى جانب آلاف الملفات الأخرى، بينها فواتير متعلقة بالحدث. الخادم كان متاحًا علنًا لأي شخص عبر متصفح إنترنت عادي، ما جعل البيانات مكشوفة بالكامل لفترة يُرجح أنها امتدت شهرين على الأقل قبل تأمينها.

الاكتشاف جاء على يد الباحث المستقل في أمن المعلومات روني سوتشوفسكي، الذي استخدم أدوات برمجية متاحة تجاريًا لمسح خدمات التخزين السحابي بحثًا عن بيانات غير مؤمنة. سوتشوفسكي أكد أن محاولاته السابقة لتحذير الجهة المنظمة لم تلق استجابة، ما دفعه إلى التواصل مع صحيفة فاينانشال تايمز. بعد استفسار الصحيفة، جرى تأمين الخادم.

البيانات المكشوفة تعود لمشاركين في نسخة ديسمبر من أسبوع أبوظبي المالي، التي استقطبت أكثر من 35 ألف مشارك، وتُعد منصة رئيسية تسعى من خلالها أبوظبي إلى ترسيخ مكانتها كمركز مالي عالمي قادر على جذب صناديق التحوط ومديري الأصول الدوليين. الفعالية تُنظم عبر سوق أبوظبي العالمي (ADGM)، الذي أعلن أن إجمالي الأصول الممثلة خلال أسبوع الحدث تجاوز 62 تريليون دولار.

من بين الأسماء التي ظهرت وثائقها الشخصية في الملفات المكشوفة، اللورد ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، وآلان هوارد، مدير صندوق التحوط الملياردير، وأنتوني سكاراموتشي، المستثمر الأمريكي ومقدم البودكاست والمدير السابق للاتصالات في البيت الأبيض. كما شملت العينة التي جرى الاطلاع عليها ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك لمنصة بينانس للعملات المشفرة والرئيس التنفيذي السابق لسوق أبوظبي العالمي، ولوسي بيرغر، سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الإمارات.

نسخة ديسمبر من الحدث حضرها ولي عهد أبو ظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، وجرى الترويج لها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها واجهة الإمارة أمام المجتمع المالي العالمي. كما سبق الإعلان عن مشاركة وزراء في الحكومة الإماراتية وكبار التنفيذيين من مؤسسات مالية كبرى مثل UBS، وبلاكستون، وستاندرد تشارترد، وباركليز، ومورغان ستانلي، وتيماسيك، وبريدج ووتر، وكارلايل، ومان غروب، إضافة إلى ممثلين عن شركات عملات مشفرة مثل تيذر وكريبتو.كوم.

إدارة أسبوع أبو ظبي المالي أقرت بوجود “ثغرة في بيئة تخزين يديرها طرف ثالث” تتعلق بـ “شريحة محدودة من المشاركين في نسخة 2025”، مؤكدة أنها تتعامل بجدية قصوى مع حماية البيانات وأمن المنصات، وأن البيئة تم تأمينها فور تحديد المشكلة. وذكرت أن مراجعتها الأولية تشير إلى أن الوصول إلى البيانات اقتصر على الباحث الذي كشف الخلل، كما أفادت بأنها تواصلت مع الأفراد المتضررين لإبلاغهم بالاختراق.

غير أن خبراء أمن سيبراني اعتبروا أن هذا الخلل يهدد سمعة الدولة الخليجية التي تسوّق لنفسها بوصفها بيئة آمنة ومتقدمة تقنيًا. نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، وصف ما حدث بأنه “هفوة”، مشيرًا إلى أن خطأ “بسيطًا وأساسيًا” كهذا يتناقض مع الصورة التي تحرص الدولة على تقديمها عن قدراتها الأمنية والتنظيمية.

أحد المشاركين في الحدث عبّر عن صدمته مما وصفه بـ “اختراق ضخم للبيانات”، معتبرًا ما حدث “مقلقًا للغاية”.

خطورة التسريب لا تقتصر على الإحراج الدبلوماسي أو المالي، بل تمتد إلى مخاطر جنائية فعلية، مثل نسخ جوازات السفر الكاملة تُعد مادة ثمينة في أسواق الاحتيال على الإنترنت المظلم، إذ يمكن استخدامها مع بيانات شخصية أخرى لانتحال الشخصية، أو تنفيذ هجمات تصيّد احتيالي شديدة الدقة، أو الوصول غير المصرح به إلى حسابات إلكترونية حساسة.

الواقعة تضع علامة استفهام كبيرة فوق إدارة البيانات في الفعاليات الدولية الكبرى التي تستضيفها أبو ظبي، خاصة في ظل سعيها الحثيث إلى جذب رؤوس أموال عالمية وإقناع المؤسسات المالية بأن بنيتها التحتية التنظيمية والتقنية بمستوى عالمي. فحين تكون جوازات سفر شخصيات سياسية ومالية رفيعة المستوى مكشوفة على خادم غير محمي، فإن السؤال لا يتعلق بثغرة تقنية عابرة، بل بمدى صلابة المنظومة التي تُبنى عليها طموحات المركز المالي بأكمله.