نشرت صحيفة فاينانشال تايمز تقريرًا تناولت فيه التدهور الحاد في العلاقات بين السعودية والإمارات، موثّقةً كيف تحوّل تحالف إقليمي استمر لسنوات بين أكبر قوتين في الخليج إلى مواجهة علنية، بدأت شرارتها في اليمن ثم امتدت تداعياتها إلى ملفات إقليمية أوسع. التقرير يرصد لحظة الانفجار العلني للخلاف عقب اتهام الرياض أبو ظبي بدعم فصيل يمني انفصالي بالسلاح، ويتتبع جذور التوتر منذ سنوات، من الخلافات العسكرية في اليمن، إلى التنافس الاقتصادي، إلى اختلاف الرؤى حول إدارة أزمات المنطقة، وصولًا إلى السودان وإنتاج النفط. كما يحذّر التقرير من أن هذا الانقسام لا يهدد استقرار اليمن فحسب، بل يضعف قدرة المنطقة على التعامل مع أزمات متعددة، ويحوّل التنافس السعودي الإماراتي إلى صدام مفتوح بين زعيميها.

بدأت القصة عندما رست شحنة عسكرية سرية في أحد الموانئ اليمنية، لتكون الشرارة التي فجّرت التوترات المكتومة بين السعودية والإمارات، وحوّلت الخلافات التي ظلّت تُدار خلف الأبواب المغلقة إلى مواجهة علنية بين ثقلين خليجيين. فبحسب الرواية السعودية، كانت الرياض تمارس منذ أسابيع ضغوطًا دبلوماسية متواصلة لإجبار فصيل يمني مدعوم من أبو ظبي على الانسحاب من محافظات سيطر عليها قرب الحدود السعودية خلال شهر ديسمبر، غير أن هذه الجهود لم تُفضِ إلى نتيجة.

وفي خضم هذا المسار، تقول الرياض إن الإمارات واصلت شحن أسلحة ومركبات مدرعة إلى ذلك الفصيل، المجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة اعتبرتها تجاوزًا خطيرًا لكل التفاهمات السابقة. هذا التطور أثار غضبًا سعوديًا غير مسبوق، تُرجم بقصف الشحنة العسكرية، وتوجيه اتهام علني إلى الإمارات بدعم الهجوم الذي نفّذه المجلس الانتقالي، والمطالبة بسحب قواتها المتبقية من اليمن.

وبالرغم من كل الأدلة على تورط الإمارات، رفضت أبو ظبي الاتهامات السعودية، لكنها أعلنت في الوقت نفسه عزمها سحب قواتها في إطار ما وصفته بمحاولة لخفض التصعيد. غير أن هذا التطور الاستثنائي أدخل الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة من الارتباك والفوضى، وفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز الساحة اليمنية، واضعًا حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، وشريكين تجاريين كبيرين، واثنين من أكثر القادة نفوذًا في العالم العربي، في مواجهة سياسية مباشرة.

ويرى مراقبون أن خطورة هذا الانقسام لا تقتصر على اليمن، بل تمتد إلى مجمل أزمات المنطقة. فغياب التنسيق بين الرياض وأبو ظبي يعرقل أي جهود لمعالجة بؤر التوتر الممتدة من اليمن وغزة إلى سوريا ولبنان والسودان، ويجعل الوصول إلى حلول سياسية أكثر صعوبة في ظل تضارب المصالح بين القوتين الخليجيتين.

قبل نحو عقد من الزمن، كان التحالف بين السعودية والإمارات يبدو متجهًا إلى مرحلة جديدة أكثر قوة وحيوية، مع صعود قيادتين طموحتين تسعيان إلى إعادة رسم دور بلديهما إقليميًا ودوليًا. فقد كان محمد بن زايد من أوائل الداعمين لمساعي محمد بن سلمان لتحديث السعودية والترويج لصورة أكثر اعتدالًا للمملكة. كما استفادت الإمارات لسنوات من موقعها بوصفها قاعدة للشركات الأجنبية الساعية للعمل في السوق السعودية، أكبر اقتصاد في الخليج وأكبر مصدّر للنفط في العالم.

ومع تعمّق العلاقة، لعبت أبو ظبي دورًا في الترويج لولي العهد السعودي وخططه في واشنطن، وذهب بعض المحللين إلى وصف العلاقة بأنها علاقة توجيه أو إرشاد سياسي، وهو توصيف رفضته الرياض. وعلى المستوى الإقليمي، توحّد الطرفان في محطات مفصلية، أبرزها قيادة التدخل العسكري في اليمن عام 2015 ضد جماعة الحوثي المدعومة من إيران، إضافة إلى قيادة الحصار المفروض على قطر عام 2017، في ما عُدّ آنذاك أكبر أزمة خليجية.

غير أن هذا التوافق لم يصمد طويلًا. فمع ترسّخ سلطة محمد بن سلمان داخليًا، وسعيه إلى فرض دور سعودي أكثر استقلالية على الساحة الدولية، عادت التناقضات إلى الواجهة بين نظامين ملكيين يتسمان بالطموح والاندفاع. وبدأ كل طرف ينظر إلى نفسه باعتباره القائد الطبيعي للمنطقة: السعودية تستند إلى ثقلها الجغرافي والاقتصادي والديني، فيما ترى الإمارات أن نفوذها المالي وشبكات علاقاتها الغربية وقدرتها على التحرك السريع تمنحها مكانة ريادية.

بعد انتفاضات عام 2011، برز الدور الإماراتي بوصفه الأكثر تدخلًا في شؤون المنطقة، في مسعى لاحتواء الحركات الإسلامية وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وفق رؤية أبو ظبي. وفي هذا السياق، بدأت الخلافات تظهر بوضوح في اليمن عام 2019، عندما أعلنت الإمارات سحب قواتها، التي كانت تشكّل العمود الفقري للقوات الأجنبية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية. وفي العام نفسه، اتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات بقصف قواتها، في وقت كان فيه الطرفان يدعمان فصائل محلية متنافسة.

التوتر لم يبقَ عسكريًا فقط، بل امتد إلى المجال الاقتصادي. ففي عام 2021، أطلق محمد بن سلمان حملة لإجبار الشركات متعددة الجنسيات على نقل مقارها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض، ملوّحًا بحرمانها من العقود الحكومية إذا لم تمتثل خلال ثلاث سنوات. في أبو ظبي، عُدّت الخطوة تحديًا مباشرًا لمكانة دبي كمركز مالي إقليمي. وتوازى ذلك مع خلافات متزايدة حول ملفات أخرى، من سوريا إلى إنتاج النفط ضمن تحالف أوبك+.

ومع تصاعد التوترات، كان الشيخ طحنون بن زايد يُوفد إلى الرياض في محاولات متكررة لاحتواء الخلافات وترميم العلاقة. غير أن اتساع الفجوة بين البلدين، وتغيّر موازين القوة، جعلا هذه المهمة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع صعود محمد بن سلمان بوصفه الحاكم الفعلي للمملكة.

في السودان، بلغ التباين بين الرياض وأبو ظبي مستوى جديدًا. فبعد أن دعم الطرفان القيادة العسكرية التي تولت السلطة عقب إطاحة عمر البشير، انقسم موقفهما مع اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع. السعودية مالت إلى دعم الجيش باعتباره ممثل الدولة، بينما رأت الإمارات أنه مخترق من قوى إسلامية، واتُهمت بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبو ظبي.

في هذا المناخ المشحون، اندلعت الأزمة اليمنية الأخيرة. ففي ديسمبر، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للحدود السعودية، في وقت كانت فيه الرياض تسعى إلى تثبيت هدنة مع الحوثيين والخروج التدريجي من الحرب للتركيز على أجندتها الداخلية. هذا التحرك شكّل، في نظر السعودية، ضربة مباشرة لنفوذها، وتجاوزًا لخطوطها الحمراء، إذ يُنظر إلى اليمن باعتباره الامتداد الأمني الطبيعي للمملكة.

ويرى محللون أن قرار الإمارات سحب قواتها المتبقية وفّر مخرجًا من مواجهة كانت مرشحة للتحول إلى صدام مباشر عالي الكلفة، غير أن الخطر لا يزال قائمًا في أن يتحول التنافس الجيوسياسي بين البلدين إلى مواجهة شخصية بين أقوى رجلين في المنطقة. ومن اليمن، حيث تشكّل هذا التحالف في ذروة اندفاعه، خرج اليوم إلى العلن مشهد انهياره، في مفارقة تلخّص مسار شراكة بدأت على أرض واحدة وانتهت عليها.