كشف تقرير موسع نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن دخول السياسة الخارجية والعسكرية للجزائر مرحلة جديدة وغير مسبوقة؛ حيث تحاول البلاد بسط سيطرتها ونفوذها في منطقة الساحل الأفريقي لمواجهة النفوذ والتمدد الإماراتي في جوارها المباشر، والانتقال من عقيدة “عدم التدخل العسكري المباشر” التي التزمت بها لعقود إلى سياسة أكثر هجومية تجمع بين التواجد العسكري، والدعم الأمني، والمشاريع الاقتصادية لتثبيت الأنظمة المجاورة ومنع القوى المنافسة من ملء الفراغ.
وأوضحت الصحيفة أن نقطة التحول البارزة حدثت في شهر أغسطس الماضي، عندما أرسلت الجزائر مقاتلات حربية من طراز «سوخوي-30» حديثة ترافقها طائرة للتزود بالوقود جواً إلى النيجر، دعماً للنظام العسكري هناك عقب محاولة انقلاب هددت استقرار علاقاتها المتحسنة معه؛ حيث بقيت المقاتلات لعدة أيام على الأرض قبل عودتها لجنوب الجزائر، في أول انتشار خارجي معلن وعسكري للجيش الجزائري منذ عام 1973. وأكد الرئيس عبد المجيد تبون لاحقاً أن القرار كان مقصوداً لردع أطراف “تجاوزت الحدود واستفزت الجزائر”، مؤكداً استعداده لمواجهتها دون أن يسمي جهة بعينها.
قطع العلاقات مع الإمارات ومواجهة التمدد بـ الساحل
وربط التقرير بين هذا الانتشار العسكري والقرار الذي اتخذته الجزائر لاحقاً بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات؛ حيث يسود المؤسسة الحاكمة بـ الجزائر شعور متزايد بالتطويق الجيوسياسي خشية انتقال السلطة في النيجر لأطراف متأثرة بـ أبوظبي. ونقلت الصحيفة تصريحات حادة للرئيس تبون أكد فيها أن “السلوك الإماراتي أصبح غير محتمل وأن السكّين وصلت العظم”، متهماً أبوظبي بمحاولة السيطرة ومتعهداً بحماية النيجر، وذلك امتداداً لتصريحاته بتموز/يوليو الماضي التي قال فيها عن الإمارات: “أينما وطئت سالت الدماء”. في حين اكتفت الإمارات بالإشارة لبيان سابق أعربت فيه عن أملها أن يكون قطع العلاقات مؤقتاً.
مشاريع الطاقة والمنافسة الجيوسياسية مع المغرب وروسيا
وتطرق التقرير إلى أن التحرك العسكري الجزائري جاء عقب نقطة تحول أمنية بـ أبريل الماضي، حين شن مسلحون من القاعدة وطوارق هجوماً شمال مالي وطردوا القوات المالية والروسية من مناطق واسعة؛ مما دفع الجزائر لإعادة تطبيع علاقاتها مع مالي في يوليو، والدفع بمشاريع طاقة وكهرباء ضخمة مع النيجر، إلى جانب خط أنابيب الغاز العابر للصحراء بمليارات الدولارات باتجاه نيجيريا لحماية اختراقها السياسي والاقتصادي.
كما يرتبط السعي الجزائري لبسط النفوذ بالمنافسة المحتدمة مع المغرب في غرب أفريقيا؛ حيث تخشى الجزائر كسب الرباط لأراضٍ جديدة بسباق ممرات الطاقة والتجارة، يضاف إليها قلق الجزائر البالغ من تعميق المغرب لتعاونه العسكري والاستخباري مع إسرائيل. وعلى الجانب الآخر، أبدت الجزائر انزعاجها من الحضور العسكري الروسي المتنامي عبر «فيلق أفريقيا» بـ مالي وبوركينا فاسو، واصفة أسلوبه بـ “المتهور والمفاقم للفوضى”، ومقدمة دورها كنموذج أكثر احتراماً لسيادة الدول.
واختتمت الصحيفة بالقول إن قائمة الخيارات الدفاعية للجزائر اتسعت بشكل دائم؛ حيث باتت مستعدة للتدخل المباشر لدعم الأنظمة الصديقة بدلاً من الاكتفاء بالوساطة والدبلوماسية التقليدية.