كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن قائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير حثّ القيادة الإيرانية على التدخل لكبح جماح الهجمات التي تشنها جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) ضد المملكة العربية السعودية وبنيتها التحتية لقطاع الطاقة، محذراً من أن إسلام آباد قد تضطر للدفاع عن المملكة عملاً ببنود اتفاقية الدفاع المشترك المبرمة بين الجانبين في إطار “اتفاق مكة”.
وأوضحت الصحيفة أن منير أجرى تحركات دبلوماسية مكثفة شملت زيارة إلى طهران في أغسطس/آب الماضي التقى خلالها بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقادة آخرين، إلى جانب اتصالات هاتفية متعددة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ونقلت المصادر أن المسؤول العسكري الباكستاني طلب مراراً وتكراراً من طهران المبادرة بوقف التصعيد، مشيراً إلى الالتزامات الدفاعية والأمنية الصريحة التي تربط إسلام آباد بالرياض دون توجيه تهديدات مباشرة.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً كبيراً في هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي استهدفت مدناً ومنشآت نفطية سعودية، مما أدى لتوقف جزئي في بعض خطوط الإمداد وارتفاع أسعار النفط العالمية لأعلى مستوياتها منذ منتصف مايو/أيار الماضي. وفي حين تتنصل طهران رسمياً محددةً أن الصراع “شأن يمني سعودي داخلي” وأن القرار لدى الحوثيين، أشارت الصحيفة نقلاً عن مسؤولين باكستانيين إلى أن هذا التصعيد يخدم استراتيجية طهران الاقتصادية والسياسية بالمنطقة لرفع تكاليف الطاقة وإبراز أوراق نفوذها. ورغم تأزم الموقف، لم تطلب الرياض رسمياً حتى اللحظة تدخلاً عسكرياً مباشراً من إسلام آباد أو أنقرة الموقعتين على الاتفاق الثلاثي.
تعكس التحركات الباكستانية الأخيرة طبيعة التوازن الدقيق الذي تحاول إسلام آباد الحفاظ عليه في الإقليم؛ إذ تسعى لتفعيل دورها كضامن أمني ومردع بموجب “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، وفي الوقت ذاته تتجنب الانجراف إلى مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة مع الجارة إيران.
وتؤكد هذه الاتصالات أن الدبلوماسية الوقائية والوساطات الإقليمية باتت الخيار المفصل لدول المنطقة لاحتواء تداعيات الحرب، خصوصاً مع تنصل القوى الغربية ورفض واشنطن تقديم حماية عسكرية مباشرة. ويتضح من هذه التطورات أن الحفاظ على استقرار أسواق النفط والأمن القومي الخليجي يتطلب صياغة تفاهمات أمنية واستراتيجية شاملة تشارك فيها القوى الإقليمية الرئيسية كباكستان وتركيا وطهران، بعيداً عن الرهان الكامل على الضمانات الأمنية الخارجية.