كشف تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري لعام 2026 عن تحول إستراتيجي ومقلق في خريطة الجهات الدائنة للبلاد؛ حيث تربع “البنك الدولي” على رأس قائمة أكبر المقرضين الدوليين لمصر بأرصدة قروض بلغت 12.5 مليار دولار بنهاية عام 2025، ليزيح بذلك “صندوق النقد الدولي” الذي تراجعت أرصدته بفارق ضئيل لتسجل 12.4 مليار دولار.

وأوضح التقرير أن إجمالي القروض الخارجية المستحقة للمؤسسات الدولية على مصر بلغت نحو 45.5 مليار دولار، منها 24.9 مليار دولار تُقتسم حصرياً بين قطبي النظام المالي العالمي في واشنطن (الصندوق والبنك)، مما يضع القرار الاقتصادي والسيادي للبلاد تحت رحمة الإملاءات والشروط الأجنبية المباشرة.

موازنة عاجزة: الإيرادات تعجز عن تغطية فاتورة “خدمة الديون”

ويتزامن صدور هذا التقرير الصادم مع بدء موازنة العام المالي الجديد (2026/2027)، والتي تفضح أرقامها الرسمية عمق الكارثة والانهيار المالي الذي وصلت إليه البلاد؛ إذ بلغت الإيرادات المتوقعة 4.9 تريليون جنيه، وهو مبلغ يقل بنحو 300 مليار جنيه كاملة عن فاتورة خدمة الدين (الأقساط والفوائد) والتي بلغت وحدها 5.2 تريليون جنيه.

وتعني هذه الأرقام المروعة أن الدولة المصرية باتت تقترض مجدداً لمجرد سداد فوائد قروضها القديمة، مما تسبب في سحق المخصصات الهزيلة الموجهة لقطاعات التعليم، والصحة، ودعم الفقراء. ووفقاً للبيانات الشهيرة لوزارة المالية، فإن فوائد الدين الحكومي وحدها التهمت 75.9% من إيرادات الموازنة العامة في الأشهر العشرة الأولى من العام المالي المنصرم (2025/2026)، مستنزفة 2 تريليون جنيه بزيادة قفزت بنسبة 21.9% مقارنة بالعام الأسبق.

هندسة الإفقار: كيف أغرق السيسي مصر في مستنقع التبعية؟

ويؤكد خبراء ومحللون اقتصاديون أن هذا المشهد القاتم يعكس النتيجة الحتمية لـ السياسات التدميرية ونظام الإجرام المالي الذي قاده عبد الفتاح السيسي منذ عام 2014، والذي تسبب في إفقار مصر وإثقال كاهل أجيالها المتعاقبة بتركة ديون تاريخية.

فقد تبنى النظام الحالي إستراتيجية قائمة على “الاقتراض الشره” لتمويل مشاريع خرسانية غير إنتاجية وعاصمة جديدة، مما تسبب في إدخال البلاد في حلقة مفرغة بدأت بقرض الصندوق الأول عام 2016 بقيمة 12 مليار دولار، وتوالت بعدها القروض خلال جائحة كورونا، ثم قرض ديسمبر 2022 بـ3 مليارات، وصولاً لتوسيع القرض في مارس 2024 لـ8 مليارات دولار ينتهي سدادها هذا العام، بالتوازي مع التغول الصامت لمحفظة البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) التي باتت تضخ وحدها ما يزيد عن مليار دولار سنوياً لشراء أصول الدولة وتوجيه قراراتها السيادية.

شروط موحدة لخدمة “الروشتة” الغربية

وفي قراءته لطبيعة التمويلات، أكد الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي لـ”عربي21″ أنه لا فرق جوهري في آليات المعاملة بين صندوق النقد والبنك الدولي؛ إذ تعمل المؤسستان كأداة موحدة لفرض “أجندة واشنطن”، ولا يُمنح قرض البنك الدولي إلا باستيفاء شروط وموافقة الصندوق.

وأوضح الصاوي أن الأزمة العميقة والمرض العضال الذي يواجهه الاقتصاد المصري يكمن في “ضعف الإنتاج”، وهو ما فاقم مشكلات التضخم والبطالة وعجز الموازنة، مشدداً على أن تجارب الماضي أثبتت أن رهن مقدرات البلاد لمؤسسات التمويل الدولية لم يحمل سوى الإفقار للمواطن، وتصفية القطاع العام لصالح المستثمرين الأجانب والمؤسسات الكولونيالية، وتعميق فجوة التبعية بانتزاع استقلالية القرار الوطني المصري وتحويل البلاد إلى رهينة مالية بامتياز.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال