كشفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيز، أنها تعرضت لتهديدات بالقتل واستهداف مباشر لعائلتها، وذلك على خلفية مواقفها العلنية التي أدانت فيها العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ووصفتها بأنها إبادة جماعية.
وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية، وصفت ألبانيز حياتها منذ نشر تقريرها الشهير في مارس/آذار 2024 بعنوان “تشريح الإبادة الجماعية” أو كما أطلقت عليه Anatomy of a Genocide بأنها “تحولت إلى قطار الموت”، في إشارة إلى حجم الضغوط والتهديدات التي واجهتها بعد ذلك.
تبلغ ألبانيز من العمر 49 عاماً، وهي محامية إيطالية متخصصة في حقوق الإنسان، وتشغل منصباً أممياً غير مدفوع الأجر ضمن شبكة تضم أكثر من 40 مقرراً خاصاً يجرون تحقيقات مستقلة في قضايا حقوقية حول العالم. ورغم أن هذا المنصب غالباً ما يكون بعيداً عن الأضواء، فإن الحرب على غزة وضعت ألبانيز في صدارة المشهد الدولي.
جاء تقريرها في سياق الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي لا تزال مستمرة حتى الآن، وقد أسفرت عن مقتل أكثر من 75 ألف فلسطيني، وتهجير ما يزيد عن 90% من سكان القطاع، مع تدمير شبه كامل للبنية التحتية وتحويل معظم غزة إلى ركام.
ورغم أن ألبانيز لم تكن أول من استخدم مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف ما يحدث في غزة، فإنها كانت أول مسؤول يحمل صفة أممية يستخدم هذا الوصف بشكل رسمي. ومنذ ذلك الحين، واصلت توجيه انتقادات حادة ليس فقط للحكومة الإسرائيلية وجيشها، بل أيضاً للدول الغربية والشركات التي قالت إنها ساهمت في دعم هذه العمليات.
تقول ألبانيز إن ما نشهده اليوم هو “نظام مترابط أثبت قدرته على تنفيذ قتل جماعي”، معتبرة أن ما يجري في غزة يمثل نموذجاً لإبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين، حيث تُستخدم فيه تقنيات متقدمة مثل القنابل الدقيقة وأنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لكن هذا الموقف كلّفها ثمناً باهظاً. فقد تعرضت لتهديدات مباشرة بالقتل، واستُهدفت عائلتها، بما في ذلك ابنتها البالغة من العمر 13 عاماً. وفي أحد التهديدات، تلقّت اتصالاً من مجهول قال إن ابنتها ستتعرض للاغتصاب، وذكر اسم المدرسة التي تدرس فيها في تونس، حيث تقيم العائلة. وعلى إثر ذلك، لجأت ألبانيز إلى الشرطة وطلبت الحماية، مؤكدة أنها “تمتلك ما تحتاجه” دون الخوض في تفاصيل الإجراءات الأمنية.
كما واجهت خطر الاعتقال في ألمانيا بسبب تصريحاتها، حيث حاولت السلطات منعها من إلقاء كلمة، بل وأرسلت قوات شرطة إلى المكان الذي كان من المقرر أن تتحدث فيه. وتم تهديدها بالاعتقال على خلفية مقارنتها بين جرائم تاريخية ارتكبتها ألمانيا، بينها إبادة شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا، والهولوكوست، وهو ما اعتُبر “تقليلاً من شأن المحرقة”، إضافة إلى استخدامها عبارة “من النهر إلى البحر”، التي تُعد محظورة في ألمانيا.
الأخطر من ذلك، أن إدارة دونالد ترام، وإرضاء لإسرائيل، أدرجت ألبانيز ضمن قائمة “الأشخاص المصنفين بشكل خاص”، وهي صفة تُستخدم عادة بحق الإرهابيين وتجار المخدرات وبعض الديكتاتوريين. وبذلك أصبحت أول مسؤول أممي يتعرض لهذا التصنيف.
تقول ألبانيز إن هذا القرار كان بمثابة “عقوبة قاسية دون أي إجراءات قانونية”، مضيفة: “تم وضعي في نفس الفئة مع قتلة جماعيين وتجار مخدرات دوليين، دون أن تُتاح لي حتى فرصة الدفاع عن نفسي”. وبموجب هذا القرار، مُنع أي شخص أو جهة أميركية من تقديم “أموال أو سلع أو خدمات” لها، وهو توصيف واسع النطاق وُصف بأنه أقرب إلى “موت مدني”.
وقد ترتب على ذلك مصادرة شقتها في واشنطن، التي كانت قد اشترتها أثناء إقامتها هناك مع عائلتها، كما أصبحت غير قادرة على استخدام بطاقات الائتمان في أي مكان في العالم، نظراً لأن معظم المعاملات المالية تمر عبر أنظمة أميركية. وتقول: “أتنقل الآن بالنقد، أو أضطر إلى الاستدانة من الأصدقاء وأفراد العائلة”.
وامتدت الضغوط لتطال زوجها ماسيميليانو كالي، وهو اقتصادي بارز في البنك الدولي، حيث تقول ألبانيز إن نشطاء مؤيدين لإسرائيل في جنيف استهدفوه بحملة ضغط أدت إلى إبعاده عن موقعه القيادي في ملف سوريا داخل البنك. ووصفت موقف البنك الدولي بأنه “جبان تماماً”، مشددة على أن زوجها يتمتع بسجل مهني متميز.
وفي مواجهة هذه الإجراءات، رفع زوجها وابنتهما، التي تحمل الجنسية الأميركية، دعوى قضائية ضد ترامب ومسؤولين في إدارته أمام محكمة فدرالية في واشنطن، بتهمة انتهاك حقوقهم الدستورية، بما في ذلك حرية التعبير، ومصادرة الممتلكات دون إجراءات قانونية. ونظراً لقيود الأمم المتحدة، لم تتمكن ألبانيز من الانضمام إلى الدعوى بشكل مباشر، لكن مجموعة من أساتذة القانون الأميركيين قدموا مذكرة دعم حذروا فيها من التأثير “المرعب” لهذه العقوبات على حرية التعبير.
في المقابل، أدى استهداف ألبانيز إلى تعزيز مكانتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، حيث تحولت إلى رمز لدى تيار متصاعد في الغرب يعارض الحرب على غزة. وترى أن رد الفعل الشعبي الحالي يتجاوز ما حدث في إبادة رواندا أو البوسنة، معتبرة أن ذلك يعكس فهماً أعمق لحقوق الإنسان اليوم، كما أنه نتيجة مباشرة لتورط الغرب في ما يحدث.
وتشير إلى أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة الجرائم، حيث كانت مذابح رواندا تُنفذ بالسواطير، ومجزرة سربرنيتسا بالأسلحة النارية، بينما يُقتل الفلسطينيون في غزة بقنابل دقيقة متطورة، ما يجعلها، بحسب وصفها، “إبادة جماعية من طراز القرن الحادي والعشرين”.
وتزامناً مع نشاطها الحقوقي، أصدرت ألبانيز كتاباً بعنوان “عندما ينام العالم.. قصص وكلمات وجراح فلسطين”، يجمع بين السيرة الذاتية ورثاء الفلسطينيين، ويركز على قصص إنسانية، من بينها قصة الطفلة هند رجب، التي قُتلت في غزة في يناير/كانون الثاني 2024 بعد ساعات من الاستغاثة عبر الهاتف.
كما يتناول الكتاب شخصيات أخرى، من بينها الأكاديمي الإسرائيلي الإيطالي ألون كونفينو، الذي دافع عنها عندما اتُّهمت بمعاداة السامية. وتؤكد ألبانيز أنها عملت مع مئات اليهود التقدميين الذين يعارضون الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، معتبرة أن هذا الخلط يشكل خطراً على اليهود والفلسطينيين على حد سواء.
وتربط ألبانيز مواقفها بجذورها الشخصية، حيث نشأت في جنوب إيطاليا وسط بيئة يهيمن عليها الفساد والجريمة المنظمة، وهو ما دفعها منذ الصغر إلى رفض منطق الاعتماد على النفوذ السياسي لتحقيق النجاح. وقد تأثرت بشكل خاص بقضاة إيطاليين بارزين مثل باولو بورسِلّينو وجيوفاني فالكوني، اللذين اغتالتهما المافيا عام 1992، وهو ما ترك أثراً عميقاً في تكوينها.
ورغم الضغوط، تؤكد ألبانيز أنها لن تتراجع. وتقول إن المرحلة التي تلت نشر تقريرها كانت “قاسية للغاية”، حيث بدأت تتساءل إن كان ما تقوم به يستحق المخاطرة، خاصة مع وجود أطفالها، لكنها توصلت إلى قناعة مفادها أنه لا خيار أمامها سوى الاستمرار. وتضيف: “هناك الكثير على المحك، لكن ليس لدي بديل. يجب أن أستمر في محاولة إخماد الحريق، ولدي الآن دلو أكبر وذراعان أقوى”.
وترى أن معركتها لا تقتصر على مواجهة إسرائيل أو إدارة ترامب، بل تشمل أيضاً ما تصفه بـ”نخب مفترسة” حول العالم مستعدة للدفاع عن مصالحها باستخدام العنف. وتعتبر أن ما يحدث في فلسطين ليس سوى ساحة من ساحات هذا الصراع الأوسع.
وفي يونيو/حزيران 2025، أصدرت تقريراً جديداً بعنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة”، تناول دور شركات عالمية كبرى في دعم الاقتصاد المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي.
ورغم الإشادة الواسعة التي تلقتها، أشار بعض العاملين في مجال حقوق الإنسان إلى أن استخدام ألبانيز لغة سياسية إلى جانب خطابها القانوني يجعلها هدفاً أسهل لمنتقديها. إلا أنها رفضت هذا الطرح بشدة، معتبرة أنه ينطلق من نظرة أبوية تحاول تقييد دورها، مؤكدة أن كل ما يحدث في هذا السياق هو بطبيعته سياسي.
ورغم كل ذلك، تواصل ألبانيز الظهور العلني والتحدث أمام الجمهور، حيث جذبت إحدى محاضراتها في جامعة جنيف حضوراً تجاوز الطاقة الاستيعابية للقاعة، ولاقى خطابها تفاعلاً واسعاً من الطلبة الذين رأوا فيها مصدر إلهام.
وفي ختام حديثها، لخصت موقفها بعبارة واضحة: “حياتي أصبحت مثل قطار الموت… لم أتخيل يوماً أن أعيش من دون بطاقة مصرفية. الناس يساعدونني. حريتي أقوى من خوفي. أنت تُهزم في اللحظة التي تتوقف فيها عن النضال”.