أثار تعيين رأس النظام المصري عبد الفتاح السيسي للمستشار هشام بدوي عضوًا بمجلس مجلس النواب المصري ثم انتخابه رئيسًا للمجلس، موجةً واسعة من الجدل والانتقادات داخل الشارع السياسي والحقوقي المصري. الجدل لم يتوقف عند شخصية بدوي وحدها، بل امتد إلى طبيعة البرلمان نفسه، ومسار انتخابه، ودلالات إحكام قبضة السلطة التنفيذية والأجهزة السيادية على الغرفة التشريعية الأقدم في العالم العربي وأفريقيا.

جاء ذلك بعد ماراثون انتخابي طويل استمر 99 يومًا، أفضى إلى برلمان مُصمَّم على مقاس السلطة. فقد حصدت أحزاب «القائمة الوطنية» – التي وُصفت بأنها مُهندسة أمنيًا – أغلبية كاسحة مكّنت النظام من تمرير أي تشريع أو اتفاقية دون عناء. وبحسب النتائج، استحوذت الأحزاب المرتبطة بالجهات السيادية على نحو 71% من المقاعد، في مقابل تمثيل محدود لمستقلين موالين لم يُدرجوا ضمن القائمة. هذا المشهد، الذي تخللته مئات الطعون وإعادة الاقتراع في دوائر عدة، أعاد طرح سؤال جوهري: هل ما جرى انتخابات فعلًا أم توزيع مقاعد مُسبق؟

ضمن هذا السياق، قرر السيسي استخدام حقه الدستوري في تعيين 5% من أعضاء المجلس، فاختار هشام بدوي، المحامي العام الأول السابق لنيابات أمن الدولة، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق. وبعد أيام، جرى انتخابه رئيسًا للمجلس بأغلبية ساحقة، في جلسة وُصفت بأنها «مُرتّبة»، خاصة مع جاهزية كلمات الفوز لدى رئيس المجلس ووكيلَيه، ما عزز الانطباع بأن القرار صُنع خارج القاعة.

رجل السلطة وذراع الأمن

ينظر معارضون وحقوقيون إلى بدوي باعتباره أحد أبرز وجوه «قضاء أمن الدولة»، ودورًا محوريًا في ملفات الإسلام السياسي خلال عهدي حسني مبارك وما بعد 2013. ويشيرون إلى مشاركته في حملات قضائية انتهت بإحالات ومحاكمات عسكرية، مقابل أداء وُصف بالمتراخي في قضايا قتل المتظاهرين والفساد المالي التي طالت رموز النظام السابق، وانتهت في كثير منها إلى البراءة.

كما يلفت منتقدوه إلى تجربته على رأس الجهاز المركزي للمحاسبات، حيث تولى المنصب لثماني سنوات عقب إقصاء المستشار هشام جنينة. وخلال تلك الفترة، لم تُعلن قضايا فساد كبرى تمس الحكومة أو الجهات السيادية، رغم اتساع الحديث المجتمعي عن الفساد وتفاقم الديون وتدهور الخدمات. بالنسبة لكثيرين، كان هذا «الصمت الرقابي» أحد أسباب «المكافأة السياسية» التي تُوّجت برئاسته للبرلمان.

ابن الدولة العميقة

سياسيون معارضون يرون أن بدوي «ابنٌ وفيٌّ» لمنظومة أمن الدولة، وأن مسيرته القضائية الطويلة صيغت لخدمة منطق «أمن الحاكم»، لا سيادة القانون. ويؤكدون أن اختياره لرئاسة البرلمان يبعث برسالة واضحة: المرحلة المقبلة تتطلب تشريعات أكثر تقييدًا للحريات، وحمايةً إضافية للسلطة، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متصاعدة.

ويُقارن هؤلاء بين هذا الاختيار وسوابق تعيين رؤساء للبرلمان من قضاة المحكمة الدستورية، معتبرين أن السيسي تعمّد كسر هذا التقليد لصالح شخصية أمنية الطابع، قادرة على «ضبط الإيقاع» داخل المجلس، لا إدارة نقاش تشريعي حيوي.

ديكور تحت السيطرة

في قراءة أوسع، لا ينفصل الجدل حول بدوي عن طبيعة البرلمان ذاته. فالمعارضة تصفه بمؤسسة «ديكورية» تُدار برعاية المخابرات، وتخلو من أي تمثيل حقيقي لإرادة الناخبين. ويرى منتقدون أن الصراع الحقيقي لم يكن بين أحزاب، بل بين أجهزة، انتهى بتوافق يُنتج برلمانًا مطواعًا.

هذا التوصيف يتعزز مع تركيبة هيئة المكتب، التي ضمت شخصيات محسوبة على دوائر النفوذ الاقتصادي والسيادي، ما يربط التشريع مباشرة بشبكات المصالح، ويُغذّي اتهامات الفساد والمحسوبية التي تطال السيسي وحاشيته.

إحكام القبضة وتشريعات مقبلة

يتوقع مراقبون أن يشهد البرلمان تمرير حزمة قوانين تمس الحريات العامة، وتعيد هندسة المجال السياسي بما يضمن استمرار السلطة حتى ما بعد 2030، بما في ذلك تعديلات دستورية محتملة. ويستحضر معارضون دروس 2011، محذرين من أن تراكم الظلم وسدّ آفاق الإصلاح قد يقود إلى انفجارات غير محسوبة.

خلاصة المشهد

من «أمن الدولة» إلى سدة التشريع، يعكس صعود هشام بدوي – في نظر منتقديه – تتويجًا لمسار تسييس القضاء، وتكريس برلمان يُدار بأوامر فوقية. وبينما تؤكد السلطة أن ما جرى «استحقاق دستوري»، يرى قطاع واسع أن العنوان الأصدق هو إحكام قبضة السيسي وحاشيته على مفاصل الدولة، في برلمان يُشرّع للسلطة أكثر مما يراقبها، ويُغلق أبواب الأمل في إصلاح سياسي حقيقي.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يستهدف الأطفال: أكثر من 100 طفل شهيد في غزة رغم وقف إطلاق النار