في خطوة غير مسبوقة من حيث التوقيت واللغة والمضمون، فجّر عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، توفيق الطيراوي، قنبلة سياسية من العيار الثقيل، حين وجّه رسالة علنية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، اتهم فيها منظومة الحكم في رام الله بالتحول إلى بيئة حاضنة للفساد، وبالعجز المتعمد عن محاسبة المتورطين، ملوّحًا بكشف ملفات موثقة “بالأسماء والتفاصيل” إذا استمر الصمت الرسمي. الرسالة لم تكن مجرد شكوى داخلية، بل إعلان تمرّد سياسي وأخلاقي من قلب حركة فتح نفسها، وفي لحظة وطنية شديدة الحساسية.

رسالة من الداخل… لا من الهامش
ما يميز رسالة الطيراوي ليس فقط مضمونها، بل موقع صاحبها. فالرجل ليس معارضًا خارجيًا ولا خصمًا سياسيًا تقليديًا للسلطة، بل أحد أعمدتها التاريخيين، وعضو في أعلى هيئة قيادية في حركة فتح. حين يتحدث الطيراوي عن فساد “متفشٍ” و”منظومة محمية بالحصانة”، فهو لا ينقل شائعات، بل يتحدث من داخل غرف القرار، ومن موقع الاطلاع المباشر.
الطيراوي يؤكد أنه خاطب محمود عباس مرارًا “بقلب مفتوح”، ورفع له عشرات الرسائل والملاحظات حول قضايا فساد، وتعديات على الأراضي، وتسييس القضاء، لكن النتيجة – بحسب تعبيره – كانت واحدة: لا محاسبة، لا إجراءات، ولا أثر فعلي يوقف هذا الانفلات.
القضاء تحت الوصاية… والفساد بلا سقف
أخطر ما في رسالة الطيراوي هو توصيفه لوضع القضاء، الذي اعتبره معطّلًا ومسيسًا، بل ومتواطئًا في بعض الحالات. فبدل أن يكون أداة لحماية الحق العام، تحوّل – وفق الرسالة – إلى مظلة تحمي الفاسدين، وتمنحهم الثقة والجرأة للتمدد داخل مفاصل الدولة.
يتحدث الطيراوي عن تهديدات مباشرة طالت خبراء ومسؤولين أعدّوا تقارير موثقة حول سرقة أراضٍ عامة وخاصة، وعن ضغوط مورست لإسكاتهم، ما يكشف أن القضية لم تعد مجرد فساد مالي، بل منظومة ترهيب منظمة، تمس الكرامة الوطنية وتضرب القيم الأخلاقية في الصميم.
أراضي النبي موسى… نموذج للنهب المنظم
ولم يكتفِ الطيراوي بالاتهام السياسي، بل أرفق رسالته بوثائق رسمية تتعلق بملف أراضي النبي موسى، أحد أكثر الملفات حساسية في الضفة الغربية. هذه الوثائق، الصادرة عن جهات مختصة، تستند إلى خرائط ودراسات تعود إلى عام 1937، وتؤكد أن غالبية هذه الأراضي هي أملاك حكومية فلسطينية، وفق أحكام قضائية تاريخية.
لكن ما جرى لاحقًا – بحسب الوثائق – هو فتح باب التلاعب، واعتماد خرائط قديمة غير دقيقة، وتغييب مشاريع التسوية القانونية، ما يهدد بخسارة مساحات واسعة من الأراضي المصنفة فلسطينية، في ظل صمت رسمي مريب، وتجاهل متعمد لتوصيات واضحة بتجميد الإجراءات المشبوهة.
تهديد بكسر الصمت… ومحاكمة شعبية قادمة؟
الرسالة بلغت ذروتها عندما أعلن الطيراوي أن “مرحلة الصمت انتهت”، وأنه لن يتردد في نشر جميع الملفات إذا استمر هذا الواقع. حديثه عن “محاكمة شعبية ووطنية وأخلاقية” ليس توصيفًا إنشائيًا، بل تهديدًا سياسيًا مباشرًا لمنظومة الحكم، ورسالة واضحة بأن الشرعية الأخلاقية للسلطة باتت على المحك.
هذا التهديد يضع محمود عباس أمام خيارين: إما فتح ملفات الفساد بجدية، أو مواجهة انفجار داخلي غير مسبوق، تقوده شخصيات من داخل فتح نفسها، في وقت تعيش فيه السلطة أضعف لحظاتها سياسيًا وشعبيًا.
فتح أمام اختبار تاريخي
الطيراوي شدد على أن حركة فتح، كحركة تحرر وطني، لا يمكنها الاستمرار كشاهد زور على نهب الحق العام، ولا التستر على من أساؤوا لتضحيات الشهداء والأسرى. هذه العبارة تحديدًا تحمل دلالة خطيرة: فالمعركة لم تعد بين فتح ومعارضيها، بل داخل فتح ذاتها، بين من يريد إنقاذ ما تبقى من مشروعها الوطني، ومن يرى في السلطة غنيمة لا أكثر.
في زمن الإبادة… الفساد خيانة مضاعفة
في ختام رسالته، ربط الطيراوي بين كشف الفساد واللحظة الوطنية الراهنة، حيث تتعرض غزة لإبادة، والضفة لاقتحامات يومية، معتبرًا أن إدارة الأزمات أو حجب الحقيقة في مثل هذا التوقيت لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها. الرسالة هنا واضحة: لا مقاومة بلا نزاهة، ولا شرعية بلا محاسبة، ولا وطن يُبنى فوق ركام الفساد.
ما كشفه الطيراوي ليس مجرد خلاف تنظيمي، بل تصدع عميق في بنية السلطة الفلسطينية، قد يكون مقدمة لمرحلة سياسية جديدة، عنوانها الصدام مع فساد طالما حُصّن باسم “الاستقرار” و”الشرعية”.
اقرأ أيضًا : أبوظبي وقطع الرواتب في الصومال: دعم أمني يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي