تحقيق جديد لصحيفة نيويورك تايمز يضع ترشيح الدبلوماسية الإماراتية لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في مواجهة مباشرة مع الدور الإماراتي في حرب السودان. فالمسؤولة التي تولت الدفاع عن سياسة أبوظبي أصبحت مطالبة بتفسير مواقفها أمام المؤسسة الدولية التي تطمح إلى قيادتها. وفي الوقت الذي يسعى فيه محمد بن زايد إلى توسيع نفوذ الإمارات داخل الأمم المتحدة، تحولت جرائم الحرب في السودان والدور المنسوب إلى أبوظبي إلى عقبة سياسية أمام مرشحته.

لم يكن ترشيح لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة مجرد محاولة إماراتية للحصول على موقع دبلوماسي رفيع. فقد جاء في لحظة تتعرض فيها سياسة أبوظبي في السودان لانتقادات دولية متصاعدة، بعدما تحولت الاتهامات بدعم قوات الدعم السريع من سجال بين الحكومات إلى ملف تتناوله تقارير أممية وتحقيقات صحفية ومنظمات حقوقية.

وفي الخامس من نوفمبر، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقًا للصحفي ديكلان والش، تناول التناقض الذي يواجه ترشيح نسيبة: فالدبلوماسية التي تولت الدفاع عن سياسة الإمارات في السودان أصبحت مرشحة لقيادة المنظمة الدولية المعنية بحماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

والمفارقة هنا لا تتعلق فقط بسمعة المرشحة، وإنما بالدولة التي تقف وراءها. فالإمارات تسعى إلى تقديم إحدى أبرز الشخصيات المدافعة عن سياستها الخارجية باعتبارها وجهًا مناسبًا لقيادة الدبلوماسية الدولية، بينما تواجه تلك السياسة نفسها اتهامات تتصل بإحدى أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة.

لقد أعلنت أبوظبي ترشيح نسيبة رسميًا في 21 أكتوبر، بعد أكثر من عقد أمضته ممثلة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة. وخلال تلك السنوات، كانت من أبرز الأصوات التي تولت شرح مواقف القيادة الإماراتية والدفاع عنها داخل مجلس الأمن والجمعية العامة.

لكن الخبرة التي تقدمها أبوظبي باعتبارها أحد أهم مؤهلات مرشحتها أصبحت أيضًا مصدرًا للاعتراض عليها.

فنسيبة لم تكن دبلوماسية بعيدة عن الملف السوداني، وإنما تولت الدفاع عن موقف حكومتها في مواجهة اتهامات تسليح قوات الدعم السريع، وهي اتهامات ارتبطت بتقارير عن تدفقات السلاح عبر تشاد، واستخدام معدات عسكرية وصلت سابقًا إلى الإمارات، فضلًا عن الدور الذي لعبته شبكات إقليمية في إطالة أمد الحرب.

وقد اعتبر تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري إماراتي لقوات الدعم السريع عبر تشاد ذات مصداقية. وأصبح تعامل نسيبة مع هذه النتائج جزءًا من السجل السياسي المطروح للتقييم في سباق قيادة المنظمة الدولية.

وفي تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في 28 أكتوبر، اتهمت المنظمة نسيبة باستخدام مناصبها لتبرير انتهاكات مرتبطة بالسياسة الإماراتية في السودان واليمن، معتبرة أن مواقفها أضرت بجهود المساءلة والعدالة للضحايا.

ولم تكتف المنظمة بمراجعة تصريحاتها، بل أشارت إلى دورها في تحركات دبلوماسية استهدفت التأثير في مواقف البرلمان الأوروبي من الحرب السودانية.

ففي نوفمبر 2025، شاركت نسيبة، وفق ما نقلته المنظمة عن تقارير صحفية أوروبية، في حملة اتصالات مع أعضاء البرلمان الأوروبي قبل التصويت على قرار يتعلق بالفظائع المرتكبة في السودان. وقد صدر القرار دون الإشارة إلى دور الإمارات، قبل أن يتبنى البرلمان في يوليو 2026 قرارًا آخر يتناول الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع ويدعو إلى فرض عقوبات على شركة إماراتية مرتبطة بتجنيد المرتزقة ونقلهم.

وهنا تتضح طبيعة الأزمة التي تواجه مرشحة أبوظبي. فالمسألة أصبحت تتعلق بكيفية تعاملها مع الأدلة التي قدمتها جهات تابعة للأمم المتحدة نفسها، وبما إذا كانت ستقبل نتائج التحقيقات الدولية عندما تتعارض مع مصالح الدولة التي رشحتها.

وفي جلسة حوار مع الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني يوم 27 أكتوبر، وُجه سؤال إلى نسيبة بشأن رفضها السابق لنتائج تقارير أممية عن السودان، وما إذا كانت ستواصل رفض نتائج المؤسسة التي تسعى إلى قيادتها.

لكنها، بحسب هيومن رايتس ووتش، لم تقدم إجابة مباشرة عن هذا التناقض، واكتفت بالإشارة إلى أنها أخذت إجازة من منصبها الوزاري في الإمارات، وأن الأسئلة المتعلقة بسياسة حكومتها ينبغي توجيهها إلى الحكومة الإماراتية.

هذا الرد يكشف جوهر المأزق: فالإجازة من المنصب الحكومي لا تمحو المواقف التي اتخذتها المرشحة عندما كانت تتحدث باسم أبوظبي، ولا تلغي أثر تلك المواقف في تقييم قدرتها على قيادة مؤسسة يفترض أن تتمتع بالاستقلال عن الحكومات.

والأكثر حساسية أن القضية السودانية ارتبطت بجرائم واسعة النطاق ضد المدنيين، وعمليات تهجير جماعي، وانتهاكات وصفتها جهات حقوقية وأممية بأنها تحمل سمات الإبادة الجماعية.

وفي تقرير لوكالة أسوشيتد برس، قال ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، إن الهجوم على الفاشر لم يكن ليحدث بالشكل الذي وقع به دون المعدات والدعم العسكري الذي نسبه إلى الإمارات، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمرتزقة والأسلحة المستخدمة في الحصار.

واعتبر ريموند أن إسناد قيادة الأمم المتحدة إلى مسؤولة تولت الدفاع عن سياسة الدولة المتهمة بهذا الدعم سيكون إهانة للناجين.

وإذا كانت القيادة الإماراتية قد راهنت على خبرة نسيبة الطويلة في نيويورك، وعلاقاتها الواسعة داخل المؤسسات الدولية، وقدرتها على التواصل مع القوى الكبرى، فإن هذه المزايا نفسها جعلت سجلها الدبلوماسي تحت المجهر.

فكل تصريح سابق، وكل تحرك دبلوماسي، وكل محاولة للتأثير في موقف مؤسسة دولية من الحرب السودانية، أصبحت جزءًا من النقاش بشأن أهليتها لتولي المنصب.

وهنا تبرز مفارقة سياسية أوسع في استراتيجية محمد بن زايد.

فأبوظبي استثمرت خلال السنوات الماضية في بناء حضور دبلوماسي دولي يتجاوز حجمها الجغرافي والسكاني، مستفيدة من ثروتها المالية وشراكاتها الأمنية وشبكات علاقاتها مع القوى الكبرى. وقدمت نفسها بوصفها مركزًا للوساطة والعمل الإنساني والتعاون الدولي، في الوقت الذي واجهت فيه اتهامات بالتدخل في نزاعات إقليمية، من اليمن إلى السودان.

وترشيح نسيبة يندرج ضمن هذا المسار الرامي إلى توسيع الحضور الإماراتي في المؤسسات الدولية. لكن المنصب الذي تطمح إليه أبوظبي يفرض على صاحبه التعامل مع تقارير الانتهاكات والأزمات الإنسانية وفق المعايير التي تتبناها الأمم المتحدة، والاستقلال عن مصالح الدولة التي جاء منها.

ولذلك فإن الأزمة التي تواجه نسيبة تتعلق أيضًا بما يمكن أن يحدث إذا وصلت إلى المنصب واضطرت إلى التعامل مع تحقيقات أو قرارات تتصل بالسياسة الإماراتية في السودان.

فكيف ستقنع ضحايا الحرب السودانية بأن المؤسسة التي تقودها لن تتأثر بتاريخها السياسي والدبلوماسي؟ وكيف ستتعامل مع تحقيقات تقود نتائجها إلى الدولة التي أمضت سنوات في الدفاع عن سياستها؟

هذه الأسئلة تتصل بطبيعة العلاقة بين النفوذ السياسي للدول واستقلال المؤسسات الدولية.

ومن اللافت أن نسيبة حاولت خلال الأيام الأخيرة إبراز موقف أكثر وضوحًا بشأن الجرائم المرتكبة في السودان، إذ قالت إن قوات الدعم السريع يجب أن تخضع للمساءلة عن الفظائع التي ارتكبتها، وتعهدت بجعل الحرب السودانية أولوية إذا وصلت إلى منصب الأمين العام.

لكن تصريحاتها التي نقلتها صحيفة ذا ناشيونال في الرابع من نوفمبر لم تتناول بصورة مباشرة جوهر الاعتراض المتعلق بدورها السابق في الدفاع عن سياسة الإمارات تجاه هذه القوات.

وهذا هو الفارق بين إدانة الجرائم وبين الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالجهات التي ساعدت، وفق التحقيقات والتقارير المنشورة، على توفير الوسائل المستخدمة في ارتكابها.

فمن السهل إعلان رفض الفظائع والدعوة إلى حماية المدنيين، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في التعامل مع المسؤولية السياسية والعسكرية عن إطالة أمد الحرب، حتى عندما تقود الأدلة إلى أطراف تربطها بالمرشح علاقات مباشرة.

ولا تبدو هذه الاعتراضات منفصلة عن مسار المنافسة على المنصب.

ففي الخامس من نوفمبر، أظهرت نتائج اقتراع غير رسمي داخل مجلس الأمن تقدم المرشحة الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، التي حصلت على 12 صوتًا مؤيدًا مقابل ثلاثة أصوات معارضة، بينما حصلت نسيبة على سبعة أصوات مؤيدة.

وبحسب رويترز، فإن غرينسبان عززت موقعها في المنافسة، في حين تحتاج أي شخصية للفوز بالمنصب إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل داخل مجلس الأمن، دون اعتراض من أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية.

وتكشف هذه النتائج أن الدعم السياسي الذي حصلت عليه نسيبة، بما فيه تأييد دول مجلس التعاون الخليجي، لم يتحول حتى الآن إلى توافق دولي كافٍ لحسم السباق.

وهنا يصبح السؤال الذي يواجه محمد بن زايد أكثر اتساعًا من مجرد مصير مرشحته.

فإذا كانت أبوظبي قد أرادت من ترشيح نسيبة تعزيز مكانتها الدولية، فإن النقاش الذي أثاره الترشيح أعاد تسليط الضوء على سجل السياسة الإماراتية في السودان، وفتح الباب أمام مراجعة الدور الذي لعبته دبلوماسيتها في التعامل مع ملف دعم قوات الدعم السريع.

وبدلًا من أن يقتصر النقاش على خبرة نسيبة ومؤهلاتها وبرنامجها لإصلاح الأمم المتحدة، أصبح اسمها مرتبطًا في التغطيات الدولية بالفاشر ودارفور وشبكات السلاح والمرتزقة والدور الإماراتي في الحرب.

إنها نتيجة سياسية لافتة: محاولة لتوسيع النفوذ داخل المنظمة الدولية أعادت إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى السياسة الخارجية الإماراتية.

وفي النهاية، يسلط تحقيق نيويورك تايمز الضوء على مشكلة تتعلق بمحاولة تحويل النفوذ الدبلوماسي إلى مكانة دولية، بينما تلاحق أصحاب هذا النفوذ السياسات التي تولوا الدفاع عنها والنتائج التي خلفتها.

لقد أراد محمد بن زايد أن تصل إحدى أبرز المدافعات عن سياسة أبوظبي إلى قمة الأمم المتحدة، لكن حرب السودان حضرت إلى السباق قبل أن تصل مرشحته إلى المنصب.

وإذا انتهت المنافسة بخسارة نسيبة، فلن يكون ذلك وحده المقياس الأهم لما جرى. فالمفارقة أن الترشيح، الذي كان يفترض أن يقدم صورة عن صعود الدبلوماسية الإماراتية، تحول إلى مناسبة لإعادة فتح ملف السودان أمام الرأي العام الدولي.

أما السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء السباق فهو كيف تستطيع أبوظبي الاستمرار في تقديم نفسها باعتبارها قوة للسلام والاستقرار، بينما تعيد التحقيقات والتقارير المنشورة ربط سياستها الإقليمية بتغذية واحدة من أكثر الحروب دموية في العالم.