حين تُذكر أسماء مثل “بوسطن كونسالتينغ غروب” (BCG)، تُستحضر فورًا صورة النخبة من مستشاري العالم: بدلات فاخرة، دراسات جدوى، ومؤتمرات لامعة.
لكن، ما كشفته صحيفة فايننشال تايمز عن تورط موظفي الشركة في إعداد خطط تهدف لتهجير سكان قطاع غزة مقابل حفنة من الدولارات، أعاد طرح أسئلة قاتمة حول أخلاقيات عمل شركات الاستشارات الدولية، خاصة حين تتحول من تقديم النصائح إلى المشاركة الفعلية في مشاريع استعمارية، تستهدف شعوبا بأكملها.

الفضيحة: هندسة التهجير بأدوات النخبة
نشرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية تحقيقًا مزلزلًا كشفت فيه عن دور مستشاري شركة “بوسطن كونسالتينغ غروب” في تطوير نماذج مالية واقتراحات لإعادة إعمار قطاع غزة، شملت خططًا لإعادة توطين نحو نصف مليون فلسطيني خارج القطاع، مقابل حزمة مالية تُقدّر بـ9000 دولار للفرد، بإجمالي تكلفة تبلغ 5 مليارات دولار.
هذا النموذج – بحسب الصحيفة – لم يكن مجرد تصور مالي، بل محاولة ممنهجة لتحويل الكارثة الإنسانية إلى فرصة استثمارية تُعرض على شركات القطاع الخاص، بحجة “التنمية”.
تكمن خطورة هذه الخطط في أنها لا تنطلق من خلفية إنسانية أو إنمائية، بل من رؤية استعمارية تهدف لتفريغ غزة من سكانها الأصليين، وتحويلها إلى مشروع سياحي فاخر تحت مسمى “ريفييرا ترامب”، بما يعكس تحالفًا وقحًا بين أصحاب رؤوس الأموال وأجندات الاحتلال الإسرائيلي – بدعم غير معلن من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي رأت في التهجير الجماعي حلًا نهائيًا “لأزمة غزة”.
إدانات وتبريرات: محاولة لإنقاذ السمعة أم تواطؤ مخفي؟
بعد نشر الوثائق، سارعت “بوسطن كونسالتينغ” إلى التنصل من المشروع، وأعلنت طرد شريكين من كبار موظفيها، مدعية أن ما حدث جرى “دون علم الإدارة العليا”، وأنها “لم تمنح الموافقة الرسمية عليه”. كما زعمت الشركة أن مساهمة موظفيها في المشروع جاءت بشكل فردي، وخارج أطرها المؤسسية.
لكن الصحيفة البريطانية أثارت شكوكًا كبيرة حول هذه الادعاءات، مشيرة إلى أن المشروع استمر سبعة أشهر كاملة، وأن فريقًا أمريكيًا عمل من تل أبيب طوال تلك الفترة، وهو ما يصعب تصديقه دون وجود علم أو تغاضٍ من إدارات عليا في الشركة. كما تم توجيه انتقادات حادة للشركة بسبب تورطها في دعم “مؤسسة غزة الإنسانية”، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تمارس نشاطًا موازيًا لمنظمات الأمم المتحدة، وسط تقارير تؤكد مقتل مئات الفلسطينيين على يد جيش الاحتلال أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع المساعدات التابعة لتلك المؤسسة.
الانتقادات لم تتوقف عند حدود الفضيحة الأخيرة، بل أعادت فتح ملفات قديمة مرتبطة بسلوكيات أخلاقية مشبوهة لبوسطن كونسالتينغ، ومنها قضية رشاوى في أنغولا ما بين 2011 و2017، والتي كادت تطيح بالشركة لولا تسوية مع وزارة العدل الأمريكية.
أبعاد سياسية وأخلاقية: حين تتحول الشركات إلى أدوات استعمار
تكشف هذه الفضيحة عن نمط جديد من الاستعمار، يتخفى في عباءة الاستشارات الدولية والبرامج الإنسانية. فالشركات مثل “بوسطن كونسالتينغ” لم تعد مجرد جهات تنموية أو اقتصادية، بل أصبحت شركاء فعليين في سياسات الإقصاء والتهجير والإبادة الناعمة، بتوفيرهم “التصوّر الأكاديمي والمالي” لمشاريع الاحتلال.
ما قامت به BCG هو شرعنة فكرة أن الفلسطينيين عبء يجب التخلص منه، وأن تهجيرهم يمكن تسويقه ضمن مشاريع “إعمار واستثمار”، طالما ارتدى طابعًا ناعمًا وظهر في تقارير ملونة وخطط تنموية. هذه العقلية تتطابق مع مشاريع ترامب وحلفائه في الشرق الأوسط، الذين سعوا دائمًا لإزاحة الفلسطينيين من المعادلة، سواء عبر صفقة القرن أو سياسات “السلام الاقتصادي” التي تبرر الاحتلال وتشيطن المقاومة.
وفي ظل صمت أغلب الحكومات الغربية وتواطؤ بعض الأنظمة العربية، يجد الفلسطيني نفسه بين فكي كماشة: الاحتلال من جهة، والاستشارات الدولية التي ترسم مستقبله من دون أن تُشركه أو تحترم حقوقه من جهة أخرى.
خاتمة: من يراقب المستشارين؟
فضيحة “بوسطن كونسالتينغ” تضع المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، وكل الجهات التي تتعامل مع شركات الاستشارات الكبرى، أمام اختبار أخلاقي حقيقي. فهل يواصلون التعامل مع كيانات قد تشارك في مشاريع تهجير جماعي؟ هل يواصلون التغاضي عن التلاعب بالمبادئ الإنسانية عبر نماذج مالية؟
الفضيحة أظهرت أن العالم لا يحتاج فقط لمراقبة السلاح والطائرات في النزاعات، بل لمراقبة “الخطط” أيضًا، تلك التي تُصاغ في مكاتب مكيفة لتبرير سياسات الظلم والتهجير. والمطلوب اليوم ليس فقط إدانة شركاء الاحتلال من السياسيين، بل مساءلة الشركاء من رجال الأعمال ومستشاري الشركات، ممن حولوا آلام الشعوب إلى فرص اقتصادية وصفقات سرية.
اقرأ أيضًا : طلاب وأساتذة يواجهون إدارة ترامب في المحكمة: معركة حرية التعبير ودعم فلسطين