نشرت صحيفة ديلي ميل البريطانية تحقيقاً موسعاً يكشف ما وصفته بحرب دعائية على وسائل التواصل الاجتماعي يقودها مؤثرون يعيشون في دبي، بعد انتشار موجة من المقاطع المتشابهة التي تمجد الحكومة الإماراتية وتؤكد أن المدينة آمنة رغم الهجمات العسكرية التي شهدتها المنطقة. وتحدثت الصحيفة عن ما يشبه جيشاً من المؤثرين الذين نشروا خلال الأيام الأخيرة عشرات المقاطع المتطابقة تقريباً في اللغة والرسالة، في محاولة لإظهار دبي كمدينة مستقرة ومحمية، وسط اتهامات واسعة بأن بعض هؤلاء يتلقون أموالاً أو يعملون ضمن حملة دعائية منظمة.

المقاطع التي انتشرت بكثافة على تيك توك وإنستغرام اتبعت النمط نفسه تقريباً. يبدأ الفيديو عادة بسؤال مباشر للمشاهد: “أنت تعيش في دبي… ألا تخاف؟” أو “هل تشعر بالأمان في دبي؟”، قبل أن ينتقل إلى عرض صور لحاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم وهو يحيي الحشود، مع عبارة واحدة متكررة: “لا… لأنني أعرف من يحمينا.” وقد حقق أحد هذه المقاطع وحده ما يقارب سبعة ملايين مشاهدة خلال وقت قصير.

هذا التشابه اللافت في الرسائل أثار موجة انتقادات واسعة على وسائل التواصل، حيث اتهم كثير من المستخدمين هؤلاء المؤثرين بأنهم يتقاضون أموالاً لنشر دعاية سياسية تهدف إلى تلميع صورة دبي في لحظة حساسة. بعض صناع المحتوى سارعوا إلى نفي ذلك، لكن الشكوك استمرت، خاصة أن الرسائل جاءت متطابقة تقريباً في الصياغة والأسلوب والرسالة.

الصحيفة أشارت إلى أن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة القانونية الصارمة في الإمارات. فصانعو المحتوى في دبي لا يستطيعون العمل دون ترخيص رسمي، كما أن القوانين المحلية تفرض عقوبات قاسية على أي محتوى قد يُفسَّر على أنه يسيء إلى الدولة أو يسبب ما تسميه السلطات “الذعر بين الناس”. وقد تصل العقوبات إلى غرامات تصل إلى 200 ألف جنيه إسترليني أو السجن خمس سنوات، إضافة إلى الترحيل، مع تشديد أكبر على من يملك عقارات في البلاد.

مع اندلاع الحرب في المنطقة، شددت السلطات الإماراتية الرقابة على المعلومات، وهددت بالسجن كل من ينشر محتوى يمكن أن يؤدي إلى إثارة القلق. ويعتقد مراقبون أن هذه الأجواء دفعت كثيراً من المؤثرين إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة، حيث اختفت تقريباً المقاطع التي كانت تظهر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ، لتحل محلها موجة من الفيديوهات التي تمجد الحكومة وتكرر الخطاب الرسمي.

وفي الأيام الأولى للتصعيد العسكري، تحركت السلطات ضد ما سمته “صحافة المواطنين” بعد أن أعاد بعض المستخدمين نشر مقاطع حقيقية للهجمات الأولى، بما في ذلك ضربة بطائرة مسيرة استهدفت فندق فيرمونت الفخم في نخلة جميرا. ورد مكتب دبي الإعلامي سريعاً حينها مدعياً أن الصور المتداولة تعود إلى حرائق قديمة وليس إلى هجمات جديدة، متهماً من نشرها بمحاولة بث الخوف بين السكان.

وجاء انتشار هذه المقاطع الدعائية في وقت شهدت فيه المدينة هجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت مناطق قريبة من مطار دبي، حيث أصيب أربعة أشخاص وتم نقل الركاب إلى الملاجئ. كما أعلنت السلطات سقوط طائرتين مسيرتين بالقرب من المطار، في إطار الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

ورغم هذه التطورات الأمنية، استمر المؤثرون في نشر المقاطع نفسها التي تؤكد أن دبي آمنة. بعض المستخدمين انتقدوا ذلك بشدة، معتبرين أن المؤثرين يعملون لساعات إضافية لإقناع العالم بأن كل شيء على ما يرام. لكن إحدى المؤثرات، بيا ألبيرو، ردت قائلة إن ما تنشره يعكس شعورها الحقيقي بالأمان.

مؤثرة أخرى على تيك توك تُعرف باسم @julisjoking نشرت مقطعاً تنفي فيه أنها تلقت أي أموال مقابل نشر هذا المحتوى، قبل أن تدعو متابعيها إلى “الثقة بالله والثقة بالحكومة.”

الجدل حول هذه الحملة تزامن مع تصريحات لخبير الإعلام الرقمي مارك أوين جونز، الأستاذ في جامعة نورثويسترن في قطر، الذي قال إن التشابه الكبير بين الفيديوهات يثير الشكوك. وأوضح أنه لا يستطيع الجزم بوجود تمويل مباشر، لكنه يرى أن الاحتمال كبير بأن تكون الحملة بدأت كمبادرة مدفوعة لإبراز صورة الاستقرار في دبي قبل أن تتحول لاحقاً إلى “ترند” يقلده آخرون.

وأشار جونز إلى أن بعض المؤثرين قد ينشرون مثل هذه المقاطع في بيئة سياسية سلطوية كوسيلة لإظهار الولاء والامتثال للسلطات، خاصة أن المحتوى الذي يُنظر إليه بإيجابية من قبل الحكومة يمكن أن يحميهم من المساءلة.

وكشفت الصحيفة أيضاً عن شهادة مؤثر بريطاني يعيش في دبي يدعى بن موس، قال بصراحة إنه يشعر بقلق أكبر من القوانين المتعلقة بالمحتوى على الإنترنت أكثر من خوفه من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وأوضح أنه يحرص دائماً على إبقاء منشوراته إيجابية لأنه يخشى التعرض لغرامة أو السجن بسبب نشر محتوى غير مناسب.

موس، الذي يعيش في الإمارات منذ نحو ثلاث سنوات، اعترف بأن صناعة المحتوى أصبحت طريقته لكسب العيش، حيث يبرم صفقات تسويقية مع شركات وفنادق داخل الدولة. وعندما بدأت الهجمات الأولى، غادر مع شريكته الإيرانية شقتهما الفاخرة في رأس الخيمة القريبة من إيران وتوجها إلى منطقة حتا قرب الحدود العُمانية، حيث نصبا خيمة وبقيا يتنقلان ليلاً بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

كما تلقى المؤثر بيا ألبيرو رسالة رسمية من شرطة دبي أُرسلت إلى المواطنين والمقيمين تحذر من تصوير المواقع الأمنية أو مشاركة معلومات غير موثوقة، مؤكدة أن ذلك قد يؤدي إلى إجراءات قانونية لأنه يهدد “الأمن والاستقرار”. وختمت الرسالة بشعار لافت: “أمنكم سعادتنا.”

ورغم المخاطر الأمنية التي ظهرت فجأة، يرى بعض المؤثرين أن الأزمة قد تتحول إلى فرصة اقتصادية. فبن موس يعتقد أن كثيراً من المقيمين قد يغادرون الإمارات بعد هذه الأحداث، ما قد يفتح المجال أمام من يبقون هناك للعمل في التسويق والترويج للفنادق والمنتجعات التي قد تحتاج إلى حملات دعائية لإعادة جذب الزوار.

بل إنه توقع أن تتراجع أسعار العقارات مؤقتاً، قبل أن تعود دبي إلى الازدهار خلال عامين تقريباً، معتبراً أن قدرتها على الدفاع عن نفسها ستجعل الناس ينظرون إليها مستقبلاً باعتبارها مكاناً أكثر أماناً للعيش.

وبين حملة التمجيد المنتشرة على وسائل التواصل، والقيود الصارمة على نشر المعلومات، والهجمات العسكرية التي ضربت صورة المدينة اللامعة، تكشف هذه الوقائع جانباً من المعركة الدعائية الدائرة حول دبي في لحظة تحاول فيها السلطات الحفاظ على صورة الاستقرار بأي ثمن.