أصبحت قضية مانشستر سيتي اختباراً لقدرة كرة القدم البريطانية على محاسبة نادٍ يرتبط مالكه بقيادة دولة تستثمر مليارات الجنيهات في الاقتصاد البريطاني. فمع إعلان إدانة النادي بمخالفات مالية واسعة، برزت تقارير عن تحذيرات إماراتية بإلغاء استثمارات إضافية، لتأخذ الأزمة بعداً سياسياً يتجاوز العقوبات الرياضية، ويضع استقلال المؤسسات أمام سؤال مباشر: هل تستطيع تطبيق قواعدها عندما تمس المحاسبة مصالح أبوظبي؟
في مقال بصحيفة «لوموند» الفرنسية، يعرض الكاتب جيروم لاتا القضية باعتبارها نتيجة سنوات من التساهل مع توظيف الأندية في تلميع سمعة أصحاب النفوذ. وتكتسب قراءته أهميتها من تحميل المسؤولية للمؤسسات التي استقبلت الأموال واستفادت من نجاح النادي، ثم انتظرت سنوات قبل مواجهة الأضرار التي أصابت عدالة المنافسة ومصداقية البطولة.
وبحسب المقال، أعلنت رابطة الدوري الإنجليزي في 29 سبتمبر إدانة مانشستر سيتي أمام لجنة مستقلة بـ114 مخالفة من أصل 115 مخالفة مالية تتعلق بالفترة بين 2009 و2018. ويملك النادي منذ عام 2008 الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الإمارات ونائب رئيس مجلس الوزراء، وهو ما يجعل الفصل بين إدارة النادي ومكانة مالكه السياسية مهمة أكثر تعقيداً من التعامل مع مستثمر خاص.
أموال أبوظبي وراء حسابات مضللة
يشير لاتا إلى منظومة شملت عقوداً صورية ومدفوعات مخفية وتحويلات عبر شركات واجهة، استُخدمت لتغيير الصورة المحاسبية للنادي. ووفق عرضه للقرار، ضُخّمت الإيرادات وخُفّضت النفقات المسجلة بما يقارب مليار يورو، في ظل تمويل كثيف من أبوظبي.
تكمن خطورة هذه الممارسات في أثرها على المنافسة؛ فعندما تُقدَّم أموال المالك باعتبارها دخلاً تجارياً، تظهر قدرة النادي على الإنفاق بصورة تختلف عن واقعه المالي، وتتضرر الأندية التي تلتزم القيود نفسها وتُحاسَب على أساسها. وهكذا يمتد الضرر من دفاتر الحسابات إلى سوق الانتقالات والقدرة على بناء الفرق والمنافسة على البطولات.
وتفتح جسامة المخالفات الباب أمام عقوبات ثقيلة، يذكر المقال ضمنها الغرامات وخصم النقاط وسحب الألقاب وصولاً إلى الهبوط. وتبقى هذه خيارات مطروحة، وليست عقوبات أُعلنت بالفعل؛ فالقضية لم تبلغ نهايتها، وكان النادي قد أعلن عزمه الطعن في القرار، معتبراً أنه يتضمن أخطاء قانونية وواقعية جوهرية.
التلويح بالاستثمارات ينقل الأزمة إلى الحكومة البريطانية
أشد ما يلفت الانتباه في المقال هو ما ينقله عن صحيفة «التلغراف» بشأن تحذير مسؤولين إماراتيين رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام من إلغاء استثمارات إضافية رداً على القضية. ويورد لاتا تقديراً بأن الاستثمارات الإماراتية في المملكة المتحدة بلغت نحو 30 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الخمس السابقة، بما يعادل نحو 36 مليار يورو.
هذا التحذير المنسوب إلى المسؤولين الإماراتيين يضع العلاقة الاقتصادية في مواجهة استقلال المحاسبة الرياضية؛ فربط الاستثمارات بمصير قضية تخص نادياً لكرة القدم يعني مطالبة الجانب البريطاني بحساب الكلفة الاقتصادية لتطبيق القواعد. وعند هذه النقطة، تصبح الأموال وسيلة ضغط تتجاوز الغرض التجاري المعلن، ويغدو خطر التضحية باستقلال المؤسسات جزءاً من ثمن الاعتماد على المستثمر النافذ.
ويزيد حساسية الموقف أن برنهام تولى رئاسة بلدية مانشستر الكبرى بين عامي 2017 و2026، وأن الاستثمارات الإماراتية أسهمت في التحولات الاقتصادية التي شهدتها المدينة. بذلك تتقاطع العلاقات التي نشأت حول التنمية المحلية مع مسؤولية الحكومة عن حماية المؤسسات من التدخل، وتنكشف الكلفة السياسية لعلاقات اقتصادية شديدة الارتباط بصاحب نادٍ يخضع للمحاسبة.
حصانة دبلوماسية ورعاة يدخلون المعركة
ينقل مقال «لوموند» عن «فاينانشال تايمز» أن رئيس مانشستر سيتي خلدون المبارك حصل على حصانة دبلوماسية قبل ست سنوات، ويشير إلى ما يثيره ذلك من تعقيدات أمام إجراءات قانونية محتملة بحقه. ولا يوضح النص نطاق هذه الحصانة أو نوع الإجراءات التي تشملها، ولذلك لا يمكن اعتبارها إعفاءً مطلقاً من المساءلة؛ غير أن ورودها في سياق القضية يبرز التداخل بين المناصب الرياضية والصفة الدبلوماسية.
ويضيف الكاتب أن شركة «الاتحاد» للطيران، الراعي الرئيسي للنادي، انتقدت القرار علناً. ويجمع حضور المالك السياسي ورئيس النادي ذي الصفة الدبلوماسية والراعي الإماراتي بين مستويات متعددة من المصالح، بما يجعل الأزمة كاشفة لطبيعة المشروع المحيط بمانشستر سيتي، ولصعوبة التعامل معه باعتباره ملفاً رياضياً منعزلاً عن أبوظبي.
تلك هي إحدى كلف استخدام كرة القدم لتحسين السمعة السياسية؛ إذ ترتبط صورة الدولة بنجاح النادي، ثم تنتقل إليها تبعات مخالفاته عندما تنكشف. فالألقاب التي استُخدمت لإبراز النجاح لا تمنح حصانة من الأسئلة المتعلقة بمصادر التمويل وشفافية الحسابات واحترام المنافسين.
الدوري الإنجليزي استفاد قبل أن يحاسب
لا يعفي لاتا رابطة الدوري الإنجليزي من المسؤولية، بل يرى أنها أسهمت في الضرر الذي أصبحت مطالبة بمعاقبته بعدما استفادت من صعود مانشستر سيتي. فقد عززت بطولاته الثماني في الدوري منذ الاستحواذ عليه، وفوزه بدوري أبطال أوروبا عام 2023، الجاذبية التجارية للبطولة الإنجليزية، بينما تراكمت الأسئلة المتعلقة بتمويل هذا الصعود.
هذا التساهل يحمّل الأندية المنافسة والجماهير ثمن تأخر الرقابة؛ فالعقوبات اللاحقة لا تعيد تلقائياً فرصاً ضاعت، ولا تمحو أثر سنوات من المنافسة على أساس مالي مضلل. وكلما طال الفصل في المخالفات، ترسخت المكاسب الرياضية والتجارية التي يصعب تصحيح نتائجها بعد ذلك.
ويربط الكاتب هذه القضية بسوابق أوسع، منها تعامل المؤسسات البريطانية مع ملكية رومان أبراموفيتش لتشيلسي منذ عام 2003، قبل أن تدفع الحرب الروسية على أوكرانيا إلى تغيير الموقف منه بعد نحو عقدين. كما ينتقد السماح باستحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نيوكاسل عام 2021، رغم تشديد إجراءات فحص المالكين الجدد.
ويستخدم لاتا هذه الأمثلة لتوضيح كيف قبلت كرة القدم تدفق الأموال والنفوذ، ثم اكتشفت متأخرة أنها أصبحت مرتبطة بمصالح سياسية يصعب إخضاعها للقواعد الرياضية المعتادة. ويوجه نقداً مماثلاً إلى كرة القدم الفرنسية وعلاقتها بباريس سان جيرمان وقطر، بما يضع القضية ضمن خلل مؤسسي يتجاوز بلداً واحداً.
تلميع السمعة ينتهي بأزمة مصداقية
تفضح قضية مانشستر سيتي حدود الرهان على البطولات لصناعة القبول السياسي. فحين تتحول المخالفات المالية إلى قضية كبرى، يصبح النادي الذي منح مالكه مكانة وشعبية مصدراً للأسئلة بشأن طريقة استخدام الأموال والنفوذ، وتجد المؤسسات التي احتفت به نفسها مضطرة إلى تفسير سنوات التساهل.
وتزداد خطورة المشهد مع التقارير عن التلويح بإلغاء الاستثمارات؛ لأن استقلال المحاسبة يُقاس بقدرتها على الصمود أمام أصحاب المال، لا بصرامتها مع الأطراف الأضعف فقط. وأي تنازل تحت هذا النوع من الضغط سيمنح المالك النافذ امتيازاً لا توفره اللوائح لبقية المنافسين.
المطلوب الآن أن تُحسم المخالفات وسبل الطعن والعقوبات وفق إجراءات مستقلة، وأن تُفصل عنها المصالح الاستثمارية والعلاقات الدبلوماسية. فحق الجماهير والأندية في منافسة عادلة لا يجوز أن يصبح بنداً قابلاً للمساومة في علاقة بريطانيا بأبوظبي، ولا يمكن تعويضه بمزيد من الاستثمارات بعد إهداره.