الإعلام الإماراتي والتضليل بالأرقام الكبرى

خرج الإعلام الإماراتي بادعاء أن الاستثمارات العقارية في الدولة ستصل إلى 659 مليار دولار خلال الفترة المقبلة موحيا في السياق دون تصريح أن هذا الرقم هو حجم الاستثمارات المتوقعة في العام المقبل مقارنًا إياه بأنه يفوق الناتج المحلي لفنلندا والبرتغال مجتمعتين، أو حتى ستة أضعاف حجم اقتصاد بلغاريا، في محاولة لترويج صورة الإمارات كقوة اقتصادية استثنائية تضاهي أكبر اقتصادات العالم، لكن التدقيق في هذا الرقم يكشف أنه وهم دعائي خالص، يفتقد إلى أي أساس اقتصادي حقيقي، ويأتي في سياق سياسة ممنهجة تتبعها الإمارات للتلاعب بالرأي العام المحلي والعالمي، تمامًا كما تفعل في ملفاتها السياسية والأمنية.

فكيف يُعقل أن تتجاوز الاستثمارات العقارية السنوية في الإمارات الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكمله؟ ولماذا تصر الإمارات، رغم كونها دولة غنية بالفعل، على الكذب والتضليل في أرقامها الاقتصادية؟ وما العلاقة بين هذه الأكاذيب ومحاولتها طمس سجلها الأسود في حقوق الإنسان، جرائم الحرب، والتدخلات الخارجية؟

659 مليار دولار.. رقم بلا واقع اقتصادي

عند التدقيق في الادعاء الإماراتي بشأن قيمة استثمارات عقارية بقيمة 659 مليار دولار في عام يتبين أن هذا الرقم لا يستند إلى أي مصدر موثوق مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وإنما جاء من تقارير محلية مرتبطة بالبنوك الإماراتية والإعلام الرسمي.

في المقابل، تشير البيانات الدولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للإمارات في 2024 لن يتجاوز 540-550 مليار دولار وهو رقم كبير ولا شك، لكن ذلك يعني أن الاستثمارات العقارية المزعومة ستتجاوز 120% من الناتج المحلي للدولة، وهو أمر خيالي اقتصاديًا.

حتى عند مقارنة هذا الادعاء بمعدل الاستثمار العقاري الطبيعي في الإمارات، نجد أن إجمالي الاستثمارات السنوية في العقارات والبنية التحتية يشكل حوالي 20-25% من الناتج المحلي الإجمالي، أي في حدود 100-130 مليار دولار سنويًا، وهو ما يتناسب مع المعدلات العالمية. لذا، فإن وصول الاستثمارات العقارية وحدها إلى 659 مليار دولار خلال عام أو اثنين  يعني أن هناك تضليلا متعمدا وتلاعبًا بالأرقام.

التلاعب بالمصطلحات: استثمارات أم مجرد “قيمة مخططة”؟

عند العودة إلى المصادر التي استند إليها الإعلام الإماراتي، يتضح أن هذا الرقم لا يعبر عن الاستثمارات الفعلية، بل يشير إلى إجمالي قيمة المشاريع المخطط لها على مدى عدة سنوات، وليس ما سيتم تنفيذه خلال عام او اثنين، فلماذا توضع تلك الأرقام في مقارنة مع الناتج المحلي السنوي  لدول غربية متقدمة إلا إذا كان التضليل مقصودا.

ووفقًا لتقارير Emirates NBD، فإن الرقم 659 مليار دولار يمثل إجمالي قيمة المشروعات المستقبلية في قطاعات متعددة تشمل:

•العقارات السكنية والتجارية

•مشروعات البنية التحتية والنقل

•الطاقة المتجددة وتقنيات المستقبل

•المشروعات الحكومية والاستثمارات السيادية

بعبارة أخرى، حتى لو كانت هناك مشاريع مستقبلية بقيمة 659 مليار دولار، فإنها تمتد على مدار عقد أو أكثر، وليس لعام أو اثنين فقط كما يوحي الإعلام الإماراتي. وبالتالي، فإن الإمارات لم تكذب فقط، بل قامت بالتلاعب بالمصطلحات لإيهام الجمهور بأنها تضخ استثمارات ضخمة على الفور، بينما الحقيقة أن هذا الرقم لا يعكس الواقع الفعلي للاستثمارات العقارية.

مصادر التمويل المحتملة: هل تستطيع الإمارات فعلاً تمويل مشاريع بهذا الحجم؟

رغم أن 659 مليار دولار تبدو كرقم خيالي، فإن الإمارات تمتلك بالفعل أدوات تمويل ضخمة، ولكن السؤال هو: هل تكفي هذه الأدوات لتمويل هذا الحجم من المشاريع العقارية؟ عند تحليل مصادر التمويل المتاحة، نجد أن القدرة التمويلية موجودة، لكن القيود الاقتصادية تجعل تحقيق الرقم المعلن غير واقعي.

1. الإنفاق الحكومي وصناديق الثروة السيادية: قوة مالية لكنها ليست بلا حدود

الإمارات تعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط لتمويل مشروعاتها التنموية، ومع ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، تمكنت الحكومة من تحقيق فوائض مالية، حيث بلغ الفائض المالي في 2023 حوالي 4% من الناتج المحلي. كما أن صناديق الثروة السيادية، مثل جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA)، تمتلك أكثر من 853 مليار دولار من الأصول، ما يمنح الدولة قدرة استثمارية هائلة.

لكن الفوائض النفطية ليست دائمة، ومع توقعات بانخفاض الطلب العالمي على النفط خلال العقد المقبل، فإن الدولة قد تلجأ إلى ترشيد الإنفاق بدلاً من التوسع غير المحسوب في قطاع واحد.

2. البنوك المحلية ورأس المال الخاص: المخاطر تحد من الإقراض

البنوك الإماراتية تمتلك سيولة ضخمة، حيث بلغ إجمالي القروض المصرفية في الدولة 505 مليار دولار بنهاية 2024، وتشكل القروض العقارية حوالي 20% من محفظة البنوك. ورغم ذلك، فإن البنوك لا تستطيع ضخ عشرات المليارات سنويًا في قطاع واحد دون التعرض لمخاطر مالية كبيرة.

صندوق النقد الدولي سبق أن حذر الإمارات من مخاطر الإفراط في الإقراض العقاري، حيث إن أزمة 2008 أثبتت أن التوسع السريع في الائتمان العقاري دون ضوابط يمكن أن يؤدي إلى انهيار مالي. لهذا السبب، فإن البنوك لن تغامر بتمويل مفرط لمشاريع عقارية دون ضمانات كافية، مما يحدّ من قدرة السوق على امتصاص الاستثمارات الضخمة التي يروج لها الإعلام الإماراتي.

3. التدفقات الاستثمارية الأجنبية: أموال ضخمة لكنها انتقائية

الإمارات جذبت في 2023 استثمارات أجنبية مباشرة بلغت 30.7 مليار دولار، وهو رقم قوي مقارنة ببقية دول المنطقة. ومع ذلك، فإن تدفق الاستثمارات الأجنبية يتوقف على الاستقرار السياسي والقانوني. فالإمارات سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان، وفضائح تبييض الأموال، وقوانينها الصارمة بشأن الملكية الأجنبية تحدّ من رغبة بعض المستثمرين الدوليين في ضخ رؤوس أموال طويلة الأجل في سوقها العقاري. هذا يعني أن الدولة لن تستطيع الاعتماد بالكامل على رأس المال الأجنبي لتمويل أرقامها الطموحة.

التأثير المحتمل على الاقتصاد الكلي: هل ستخلق الاستثمارات المزعومة طفرة أم كارثة؟

لطالما كان قطاع العقارات والبناء محركًا رئيسيًا للنمو في الإمارات، حيث نما القطاع بنسبة 4.4% في النصف الأول من 2024. ولكن إذا كانت الإمارات تستثمر بالفعل 659 مليار دولار في العقارات، فإننا نتوقع أن تكون نسبة النمو أعلى بكثير، وهو ما لا تعكسه الأرقام الفعلية، وعليه فإن التركيز الإعلامي على العقارات كأداة وحيدة للنمو هو تضليل دعائي أكثر منه حقيقة اقتصادية.

التضخم وارتفاع الأسعار: الفقاعة العقارية القادمة؟

التوسع السريع في الاستثمار العقاري يرفع تلقائيًا أسعار العقارات والإيجارات، وهو ما حدث بالفعل في الإمارات خلال 2023-2024، حيث ارتفعت الإيجارات بنسبة 20-30% في بعض المناطق الرئيسية مثل دبي وأبوظبي.

صندوق النقد الدولي حذر من أن أسعار العقارات في الإمارات قد تدخل في فقاعة خطيرة، حيث إن ارتفاع الأسعار لا يعتمد فقط على الطلب الفعلي، بل على المضاربة العقارية. وإذا استمرت الإمارات في الترويج لمشروعات وهمية وجذب مستثمرين للمضاربة، فإن البلاد قد تواجه أزمة عقارية مشابهة لما حدث في 2008.

الاستقرار المالي: هل يمكن للإمارات تجنب الانهيار؟

رغم الاستثمارات الضخمة، فإن نسبة القروض العقارية مستقرة عند 20% من إجمالي الإقراض المصرفي، مما يعني أن النظام المصرفي ليس في خطر مباشر. لكن إذا استمرت الحكومة في تشجيع التوسع العقاري غير المنضبط، فإن المخاطر ستتزايد تدريجيًا.

الاستثمار في العقارات يمكن أن يكون محفزًا للنمو إذا كان مدعومًا بطلب حقيقي، لكنه قد يتحول إلى كارثة مالية إذا بُني على توقعات مضللة. وبالنظر إلى أن الاستثمارات الفعلية أقل بكثير مما يروج له الإعلام الإماراتي، فإن النظام المصرفي قد لا يكون معرضًا لخطر مباشر، لكنه سيواجه تحديات كبرى إذا انهار الطلب على العقارات وبدأ المستثمرون في سحب رؤوس أموالهم.

الفائدة المرتفعة عالميًا تجعل التمويل أكثر صعوبة

أسعار الفائدة العالمية تشهد أعلى مستوياتها منذ 15 عامًا، مما يعني أن تكلفة تمويل المشاريع العقارية ارتفعت بشكل كبير. المستثمرون أصبحوا أكثر حذرًا في ضخ الأموال في العقارات، مما يهدد بخفض عدد المشاريع العقارية التي يتم تنفيذها كما أن سوق العقارات الإماراتي قد يشهد تباطؤًا بسبب تخمة المعروض، فبحلول 2025-2026، يتوقع دخول 182,000 وحدة سكنية جديدة في دبي وحدها، مما قد يؤدي إلى استقرار الأسعار أو حتى انخفاضها. إذا حدث ذلك، فإن الطلب الاستثماري على العقارات سيتباطأ بشكل ملحوظ، مما يعني أن التوقعات الحالية للاستثمار قد تكون مبالغًا فيها بشكل خطير.

لذا نحن أمام تضليل دعائي صريح. الأدلة الاقتصادية والفنية تشير إلى أن الرقم ليس سوى قيمة مجمعة لمشاريع مستقبلية تمتد لسنوات، بينما الاستثمار الفعلي سيكون أقل بكثير.

لماذا تكذب الإمارات رغم ثرائها؟

السؤال المنطقي هنا: لماذا تحتاج الإمارات إلى فبركة أرقام اقتصادية، رغم أنها بالفعل دولة غنية بالنفط والاستثمارات؟ الجواب يكمن في سياستها الدعائية القائمة على شراء النفوذ والتلاعب بالحقائق.

تلميع الصورة وتشتيت الانتباه

الإمارات تواجه سجلًا أسود في حقوق الإنسان، وانتهاكات جسيمة في سوريا، السودان، اليمن، وليبيا، حيث دعمت ميليشيات ومرتزقة، وشاركت في حروب بالوكالة خلفت آلاف القتلى. لذا، فإنها تسعى عبر الأرقام الاقتصادية المزيفة إلى توجيه الأنظار بعيدًا عن دورها في تأجيج الصراعات، قمع الحريات، والتجسس على المعارضين.

تعزيز النفوذ العالمي بالخداع

تسعى الإمارات لخلق انطباع زائف بأنها تقود ثورة اقتصادية عالمية، مما يساعدها في جذب المستثمرين والصفقات الدولية، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الخليجية مع السعودية وقطر. وباستخدام هذه الدعاية، تحاول إقناع العالم بأنها مركز مالي وتجاري لا يُضاهى، حتى وإن كانت الأدلة الاقتصادية الفعلية تقول العكس.

خداع الشعب الإماراتي

داخليًا، تحاول الإمارات إخفاء الأزمات الاقتصادية المتصاعدة، خاصة مع ارتفاع تكلفة المعيشة، وتزايد الفجوة بين الأثرياء والمواطنين العاديين، الذين باتوا يعانون من ارتفاع الإيجارات والضرائب غير المباشرة. لذا، تلجأ الحكومة إلى تضخيم أرقام الاستثمارات لإيهام السكان بأن اقتصادهم في أوج ازدهاره، رغم أن الكثير من المشروعات العقارية موجهة للأثرياء الأجانب والمستثمرين، وليس للمواطن العادي.

الإمارات تشتري النفوذ.. لكن بأي ثمن؟

تحاول الإمارات أن تشتري نفوذها عالميًا بالأموال، لكنها تفعل ذلك بأساليب غير أخلاقية، عبر شراء الذمم الإعلامية، تمويل جماعات الضغط، والترويج لإنجازات غير موجودة. لكن لا يمكن إخفاء الحقيقة إلى الأبد، فالإحصائيات والبيانات الدولية تفضح الأكاذيب، وتكشف أن 659 مليار دولار ليست سوى رقم دعائي لا أساس له من الصحة.

السؤال الآن: كم من الوقت يمكن أن تستمر الإمارات في هذه اللعبة؟ صحيح أن الإمارات تملك أموالا تعطيها الفرصة  لتشتري النفوذ  لكن الحقيقة لا يمكن شراؤها!