في العاشر من مارس/آذار 2025، قامت مجموعة  “فلسطين أكشن”، التي تضم عدد كبير من النشطاء المدافعون عن القضية الفلسطينية هدفهم إنهاء تواطؤ الشركات مع الإبادة الجماعية في فلسطين، بإغلاق مكاتب “إليانز كوميرشال” في لندن. هذه الخطوة الجريئة جاءت ردًا على استمرار “إليانز” في توفير التأمين والاستثمارات لشركة  Elbit Systems، وهي أكبر مورد للأسلحة للجيش الإسرائيلي، والذي يستخدمها في قتل الفلسطينيين بوحشية في قطاع غزة والضفة الغربية.

مع ساعات الصباح الأولى، قام الناشطون برش الطلاء الأحمر على واجهة المقر في شارع “غريستشرش”، في إشارة رمزية إلى الدماء الفلسطينية التي تُراق يوميًا بسبب الأسلحة التي تنتجها Elbit Systems بتمويل من “إليانز”. كما رفع المحتجون لافتات كتب عليها: “أوقفوا دعم الإبادة الجماعية، “تخلوا عن إلبيت” ، واعتصموا في جزء من المبنى، في رسالة واضحة بأن تواطؤ الشركات في جرائم الحرب لن يمر دون مقاومة.

في فيديو نشرته المجموعة، قال أحد المحتجين:

“نحن هنا اليوم لأن شركات مثل “إليانز” تربح من موت الفلسطينيين. لقد جربنا الاحتجاجات السلمية والمطالبات الرسمية، لكنهم لم يتوقفوا عن دعم الاحتلال، لهذا نحن نأخذ زمام الأمور بأيدينا.”

ردًا على الواقعة، أصدرت “إليانز” بيانًا أكدت فيه أنها لن تتراجع أمام ما وصفته بـ”السلوك الإجرامي”، وقال متحدث باسم الشركة:

“نحترم حق الجميع في التعبير عن آرائهم، لكننا لن نرضخ للتهديدات والأعمال الإجرامية التي تهدد سلامة موظفينا وممتلكاتنا. أعمالنا لم تتأثر، ونحن نعمل مع الشرطة لاتخاذ إجراءات قانونية ضد هذه التهديدات.”

من جهتها، أكدت شرطة مدينة لندن أنها تتعامل مع الحادثة على أنها أضرار جنائية، وقال رئيس المفتشين روب بيل:

“نحن في موقع الحدث استجابة لتقارير عن احتجاج في مقر “إليانز”. المحتجون، الذين يُعتقد أنهم ينتمون إلى مجموعة “فلسطين أكشن”، صعدوا إلى المبنى وألحقوا أضرارًا بالممتلكات. لقد قمنا بإغلاق الممرات المحيطة لحماية الجمهور.”

الجدير بالذكر أنه ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها “فلسطين أكشن” مكاتب “إليانز”، فقد سبق للمجموعة أن نظمت احتجاجات ضد الشركة في مدن بلفاست، غلاسكو، وغيلدفورد. كما استهدفت “فلسطين أكشن” مواقع عديدة تابعة لـElbit Systems، وتسببت حملتها المتواصلة في إغلاق ثلاثة مواقع لها في بريطانيا حتى الآن.

الدولة البريطانية في خدمة شركات الأسلحة

في حين أن ما تقوم به “فلسطين أكشن” هو دفاع مشروع عن حقوق الإنسان ومقاومة غير عنيفة ضد تمويل القتل الجماعي، تعاملت الحكومة البريطانية مع الحدث برد فعل عنيف، كعادتها في حماية الشركات الداعمة للاحتلال. لم يمضِ وقت طويل قبل أن تصل شرطة مدينة لندن إلى الموقع، حيث فرضت طوقًا أمنيًا حول المقر وبدأت في قمع المتظاهرين. صرح قائد الشرطة روب بيل:

“نتعامل مع هذا الحادث كجريمة إضرار بالممتلكات، ونعمل على إخلاء المحتجين الذين تسببوا في اضطراب عام.”

هذا الخطاب ليس بجديد، فلطالما استخدمت الحكومات البريطانية المتعاقبة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى لغة “الإجرام والفوضى” في وصف كل من يعارض الجرائم الإسرائيلية، تمامًا كما تفعل وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تصف المقاومين الفلسطينيين بـ”الإرهابيين”.

الاضطهاد المستمر لـ “فلسطين أكشن”

يواجه نشطاء “فلسطين أكشن” حملة قمع متصاعدة من قبل السلطات البريطانية، حيث يتم التعامل معهم باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب، رغم أن نشاطهم سلمي ويهدف إلى وقف تمويل آلة الحرب الإسرائيلية.

واحدة من أبرز القضايا التي تكشف هذا القمع هي قضية “Filton 18″، وهي مجموعة من 18 ناشطًا تم اعتقالهم في أغسطس/آب 2024 بعد اقتحامهم منشأة بحث وتطوير تابعة لـElbit Systems  في “فيلتون”، بريستول، لم يكن الهدف من ذلك الاقتحام تخريب الممتلكات، بل تعطيل إنتاج الأسلحة التي تقتل الفلسطينيين كل يوم. رغم ذلك، اعتقلتهم الشرطة بتهم مشددة، ووُضعوا قيد الحبس الاحتياطي لمدد طويلة دون محاكمة، في انتهاك صارخ لحقوقهم الأساسية.

من بين المعتقلين إيلي كاميو، المعلمة البالغة من العمر 29 عامًا، والتي أكدت أن ظروف احتجازها داخل السجن كارثية، حيث تعاني من نوبات هلع شبه يومية بسبب العزل وسوء الأوضاع. في شهادتها من داخل السجن، قالت كاميو:

“قبل اعتقالي، لم أعاني من نوبات هلع إلا مرة واحدة في حياتي، والآن أصبحت أتعرض لها يوميًا تقريبًا.”

وتحدثت عن الظروف اللاإنسانية في السجن، قائلة:

“أنا محتجزة في زنزانة حرارتها لا تُطاق، لا أستطيع رؤية عائلتي، ولا أعرف متى سأحصل على محاكمة عادلة. نحن هنا فقط لأننا رفضنا أن نظل صامتين أمام جرائم إسرائيل.”

تم نقل كاميو بين عدة سجون دون سابق إنذار، وقضت خمسة أسابيع دون السماح لها باستقبال أي زيارات عائلية. والدتها إيما تحدثت عن معاناتها قائلة:

“كانت هناك لحظات انهارت فيها بالكامل. نحن جميعًا منهارون بسبب ما يحدث لها.”

وتؤكد التقارير الحقوقية أن محاكمة كاميو ورفاقها لن تبدأ قبل نوفمبر 2025، ما يعني أنهم سيبقون قيد الاحتجاز لمدة 15 شهرًا دون محاكمة، وهو ما يعادل عقوبة بالسجن عامين ونصف قبل حتى إثبات إدانتهم.

على الرغم من أن تهم “Filton 18” تقتصر على إلحاق ضرر جنائي والدخول غير القانوني، إلا أن النيابة العامة البريطانية تصر على تصنيف القضية بأنها مرتبطة بالإرهاب، ما يسمح للشرطة والسلطات القضائية باستخدام إجراءات مشددة ضد المعتقلين.

في هذا السياق، تعرض العديد من أعضاء المجموعة للاعتقال العنيف في مداهمات منزلية، حيث تم اقتحام منازل بعضهم من قبل شرطة مكافحة الإرهاب بأسلحة ثقيلة، وتمت مداهمة منزل والدة كاميو رغم أنه لم يكن هناك أي تهمة ضدها. وقالت في شهادتها:

“اقتحموا منزلي بينما كنت شبه عارية، صادروا جهاز الكمبيوتر الخاص بعملي، وقاموا بتكبيل يدي واقتيادي بعيدًا. احتجزوني في الحبس الانفرادي لمدة خمسة أيام دون أي تهمة، فقط لأنني أم لفتاة تدافع عن الحق وترفض أن ترى العالم يحترق دون أن تفعل شيئًا. جريمتي الوحيدة أنني ربيتها على الإيمان بالعدالة.”

فاطمة زينب، وهي ناشطة أخرى ضمن المعتقلين، تعرضت لتمييز عنصري داخل السجن بسبب كونها حجابها كونها مسلمة، حيث تم منعها من الحصول على كتب دينية، وحرمت من استخدام دبابيس لحجابها، وتعرضت لتفتيشات جسدية مهينة من قبل حراس ذكور سخروا منها عندما حاولت تغطية شعرها بسرعة.

ما حدث في لندن ليس سوى فصل جديد في الحملة القمعية التي تشنها السلطات البريطانية ضد “فلسطين أكشن”، وهي المجموعة الوحيدة في المملكة المتحدة التي تمكنت من إغلاق مصانع الأسلحة الإسرائيلية بعملياتها المستمرة.

 وبحسب محامي الدفاع سيمون بوك، فإن الإجراءات المتخذة ضد “فلسطين أكشن” تمثل تصعيدًا خطيرًا من الحكومة البريطانية في استهداف النشطاء السياسيين. وقال:

“الحكومة تتعامل مع النشطاء كإرهابيين، رغم أنهم يمارسون حقهم في الاحتجاج السلمي. هذا يذكرنا بالممارسات التي تعرض لها الإيرلنديون في السبعينات والثمانينات.”

تؤكد وثائق حكومية مسربة أن شركة Elbit Systems مارست ضغوطًا على الحكومة البريطانية لتصعيد القمع ضد “فلسطين أكشن”، وهو ما يفسر استخدام سلطات غير مسبوقة بحق النشطاء.

تصعيد خطير وتجريم للنشاط الحقوقي

لأول مرة في تاريخ بريطانيا الحديث، قررت النيابة العامة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد نشطاء مدنيين مثل “فلسطين أكشن”، فعلى الرغم من أن التهم الرسمية ضد Filton 18 تتعلق فقط بـ “الإضرار بالممتلكات” و”الاقتحام”، فإن الحكومة البريطانية تصر على ربط نشاطهم بـ “الإرهاب”، وهو ما يتيح للشرطة استخدام إجراءات أكثر قسوة بحقهم.

وصلت قضية Filton 18 إلى البرلمان البريطاني، حيث طالب النائب جون ماكدونيل بالإفراج عنهم، قائلاً:

“الكثير منهم على الأرجح سيُثبت أنهم أبرياء، لكنهم سيقضون عامين في السجن قبل ذلك – لماذا؟ لأنهم فعلوا ما فشلنا نحن في القيام به: وقف توريد الأسلحة لنظام يقتل الأطفال.”

وفي ديسمبر/كانون الأول  2024، وجهت الأمم المتحدة رسالة رسمية إلى الحكومة البريطانية، معربة عن قلقها من استخدام قوانين الإرهاب ضد المحتجين، مؤكدة أن هذه القوانين لا ينبغي أن تُطبق على النشاط السياسي المشروع. ردت الحكومة البريطانية على الرسالة في يناير 2025، بقولها إنها لا تستطيع التعليق على القضايا الجارية.

حملة تضليل إعلامية ضد النشطاء

إضافة إلى القمع الأمني، تخوض الدولة البريطانية حملة إعلامية تهدف إلى تشويه صورة “فلسطين أكشن”، حيث تصفها الصحف الكبرى بأنها “مجموعة فوضوية” و”متطرفة”، في محاكاة واضحة للدعاية الإسرائيلية التي تصف المقاومة الفلسطينية بـ”الإرهاب”.

هذا الأسلوب ليس جديدًا، بل هو جزء من استراتيجية عالمية تستخدمها الحكومات الغربية لقمع الحركات التي تكشف تورطها في دعم إسرائيل. الإعلام البريطاني، الذي يهاجم اليوم نشطاء “فلسطين أكشن”، هو نفسه الذي ساند نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وهو نفسه الذي برر الحروب الاستعمارية البريطانية في الشرق الأوسط.

معركة مستمرة من أجل العدالة

ما يجري في بريطانيا اليوم ليس مجرد تطبيق للقانون، بل حملة ممنهجة لحماية المصالح الإسرائيلية على حساب حرية التعبير وحقوق الإنسان. “فلسطين أكشن” ليست منظمة إرهابية، بل مجموعة من النشطاء الشجعان الذين يقفون ضد تمويل الإبادة الجماعية، بينما تواصل السلطات البريطانية خنق أي صوت يدافع عن العدالة.

إذا كان الاحتجاج السلمي جريمة، فإن بريطانيا تعلن رسميًا أنها في صف القتلة، لا في صف الحقوق والعدالة.

“فلسطين أكشن” ليست “عصابة فوضوية”، كما تدعي الحكومة، بل هي مجموعة من الأبطال الذين قرروا ألا يقفوا متفرجين بينما يُقتل الفلسطينيون يوميًا. هؤلاء النشطاء لا يسعون إلى الشهرة، ولا يطلبون مكافآت، بل يضحون بحريتهم من أجل إنقاذ أرواح بريئة.

على بريطانيا أن تختار: هل ستقف إلى جانب العدالة وتنهي دعمها للإبادة الجماعية، أم ستواصل حماية شركات الأسلحة والتنكيل بمن يفضحون جرائمها؟

بالنسبة لنا، نحن نعرف الإجابة: “فلسطين أكشن” على حق، وسنظل ندافع عنهم حتى يتحقق العدل.

“فلسطين أكشن” ليست مجرد مجموعة احتجاجية، بل هي تجمع من الأبطال الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن الحق الفلسطيني في الحرية والعدالة وإنهاء الاحتلال الذي لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال. أهدافهم نبيلة، فهم لا يسعون إلى الفوضى أو الإضرار بالممتلكات، بل يعملون على مواجهة الشركات التي تمول وتُمكّن الإبادة الجماعية في فلسطين، والتي تقتل مئات الآلاف وتحول حياة الملايين إلى جحيم. ما يقومون به ليس بلطجة ولا تعديًا على النظام، بل هو مقاومة مشروعة لإنقاذ أرواح تُزهق كل لحظة على يد إسرائيل، بينما يقف العالم متفرجًا.

هؤلاء الناشطون يمثلون الضمير الحي، ويجب التضامن معهم والدفاع عنهم، ومطالبة بريطانيا بالتوقف عن دعم وتسليح إسرائيل بدلاً من حماية الاحتلال وقمع كل من يطالب بإنهائه. هذه المجموعة تضم مئات الشرفاء الذين يدفعون ثمن مواقفهم العادلة، بعضهم يقبع الآن في السجون، يحاكمون بلا أي جريمة سوى أنهم وقفوا إلى جانب الحق في إنهاء الاحتلال. في المقابل، تشن الدولة البريطانية حملة إعلامية ممنهجة لتشويه صورتهم، واصفة إياهم بالبلطجية والفوضويين، في تكرار للدعاية الإسرائيلية التي تحاول تجريم كل من يعارض الاحتلال ويدعو لإنهائه. لكن رغم كل ذلك، ستبقى “فلسطين أكشن” صوت المقاومة الحقيقية، وصوت كل من يؤمن بأن الاحتلال جريمة يجب أن تنتهي، وأن العدالة لن تتحقق إلا بزواله.