في خطوة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية معقدة، صدّرت فنزويلا أول شحنة نفط خام إلى إسرائيل منذ نحو ست سنوات، في تطور لافت يأتي بعد اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو من قبل قوات أمريكية، وإعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب توليها الإشراف على مبيعات النفط الفنزويلي.
ونقلت وكالة بلومبيرغ عن مصادر مطلعة أن الشحنة نُقلت إلى مجموعة مجموعة بازان، أكبر شركة لتكرير النفط في إسرائيل، في مؤشر على إعادة توجيه صادرات كاراكاس وفق معادلات سياسية جديدة.

نفط بلا هوية… التكتم الإسرائيلي المستمر
تحيط إسرائيل وارداتها النفطية بسياج من السرية، إذ لا تعلن رسميًا عن مصادر الخام الذي تستخدمه، كما تختفي بعض ناقلات النفط من أنظمة التتبع الرقمي عند اقترابها من موانئها.
وبحسب بيانات شركة كيبلر، فإن آخر شحنة نفط فنزويلية وصلت إلى إسرائيل تعود إلى منتصف عام 2020، حين استوردت تل أبيب نحو 470 ألف برميل. ويعكس هذا التكتم حساسية الملف، خاصة في ظل ارتباطه بالعقوبات الدولية، والضغوط السياسية، وشبكات الوساطة غير المعلنة.
اعتقال مادورو وتغيير قواعد اللعبة
يمثل غياب مادورو عن المشهد التنفيذي نقطة تحول رئيسية في مسار النفط الفنزويلي. فمنذ اعتقاله مطلع العام، سارعت واشنطن إلى فرض وصاية مباشرة على قطاع النفط، معتبرة أن العائدات يجب أن تُدار تحت إشرافها.
هذا التطور أنهى عمليًا مرحلة طويلة كان فيها النظام الفنزويلي يستخدم النفط كأداة سياسية للمناورة مع خصومه وحلفائه، خاصة الصين وروسيا وإيران. ومع انتقال القرار النفطي إلى دائرة النفوذ الأمريكي، تغيّرت خريطة الزبائن، وبرزت إسرائيل كمستفيد جديد من هذا التحول.
من الصين إلى الغرب… إعادة توجيه الصادرات
خلال السنوات الماضية، شكّلت الصين الوجهة الأساسية للنفط الفنزويلي، إذ استحوذت على النسبة الأكبر من الصادرات في إطار اتفاقات ديون واستثمارات طويلة الأجل.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا، مع بيع شحنات إلى الهند وإسبانيا والولايات المتحدة، قبل أن تُسجَّل الصفقة الإسرائيلية الحالية.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا تجاريًا، بل يعبر عن إعادة إدماج تدريجية لفنزويلا في السوق الغربية، ولكن بشروط سياسية صارمة، تضعها عمليًا تحت مظلة القرار الأمريكي.
إسرائيل والاستفادة من الفوضى الجيوسياسية
بالنسبة لإسرائيل، تمثل الصفقة فرصة استراتيجية لتعزيز تنويع مصادر الطاقة، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متزايدة، وتهديدات متكررة لسلاسل الإمداد.
كما تمنحها الصفقة هامش مناورة إضافي في علاقاتها مع واشنطن، باعتبارها شريكًا اقتصاديًا مستفيدًا من إعادة هندسة النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية.
وفي السياق ذاته، تُظهر هذه الخطوة كيف توظف تل أبيب الأزمات السياسية في الدول الأخرى لتعزيز أمنها الطاقي، بعيدًا عن الاعتبارات الأخلاقية أو السياسية.
النفط كأداة لإعادة تشكيل النظام السياسي
لا يمكن فصل هذه الصفقة عن السياق الأوسع لمحاولة إعادة تشكيل النظام السياسي في فنزويلا. فإعادة توجيه صادرات النفط، وسحبها من دائرة سيطرة الحكومة السابقة، يمثلان أداة ضغط مركزية لإضعاف أي محاولة لاستعادة الاستقلال السياسي.
ويرى مراقبون أن السيطرة على موارد الطاقة كانت من أبرز أسباب الإطاحة بمادورو، إذ شكّلت العمود الفقري لسلطته الداخلية وتحالفاته الخارجية. ومع فقدانه هذا السلاح، باتت فنزويلا أكثر هشاشة أمام التدخلات الدولية.
مستقبل غامض بين الوصاية والاستقلال
تعكس أول شحنة نفط إلى إسرائيل منذ ست سنوات واقعًا جديدًا في فنزويلا، عنوانه الأبرز: السيادة الاقتصادية المقيّدة. فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم باتت عاجزة عن توجيه ثروتها وفق مصالحها الوطنية.
وفي ظل استمرار الوصاية الأمريكية، من المرجح أن تتوسع هذه الصفقات مع شركاء غربيين وإقليميين، بينما تتراجع قدرة كاراكاس على بناء سياسة نفطية مستقلة.
وبينما تستفيد إسرائيل وشركات الطاقة الدولية من هذا الوضع، يبقى الشعب الفنزويلي الخاسر الأكبر، إذ تُدار ثروته خارج إرادته، وتُستخدم كورقة في صراع النفوذ العالمي، لا كرافعة للتنمية والاستقرار.
اقرأ أيضًا : تحركه الإمارات.. غراهام يهاجم تركيا وقطر ومصر