في الوقت الذي يزداد فيه الضغط الدولي على إسرائيل لوقف حربها المفتوحة على قطاع غزة، تكشف تقارير غربية، من بينها مقال تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية، عن وجه آخر أكثر قتامة للسياسات الإسرائيلية في القطاع. 

المقال الذي كتبه الأستاذ في العلاقات الدولية بجامعة كينغز كوليدج لندن، روب غيس بينفورد، يكشف أن إسرائيل لا تكتفي بالقصف والتجويع، بل تدير شبكة من العصابات والفوضى المنظمة، هدفها الواضح هو دفع الفلسطينيين نحو خيار واحد: الهروب أو الموت.

مليشيات مدعومة لإنتاج الفوضى بدلًا من الاستقرار

يشير المقال إلى أن أحد أبرز معالم السياسة الإسرائيلية الحالية في غزة هو تعمد بث الفوضى، بدلاً من دعم أي شكل من أشكال القيادة المدنية أو النظام العام في القطاع. ويضرب الكاتب مثالاً صارخًا بقيام الاحتلال بدعم ميليشيا يقودها ياسر أبو شباب، المدان سابقًا بتهم المخدرات والذي فر من السجن نهاية عام 2025.

هذه المليشيا، بحسب المقال، ليست سوى “عصابة مسلحة” تنشط في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وتشنّ هجمات على المدنيين، وتنهب قوافل المساعدات الإنسانية. الأدهى، أن هذه العصابة تعمل تحت أعين الجيش الإسرائيلي مباشرة، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء ضدها، بينما تُستهدف قوات أمن فلسطينية تحاول حماية تلك المساعدات، سواء من شرطة حماس أو القوات العشائرية.

هذا التواطؤ العلني، بحسب شهادات عمال إغاثة تحدثوا للمجلة، يكشف عن أن إسرائيل لا تسعى فقط لتدمير حماس أو “تحييد التهديد الأمني”، بل لتفكيك المجتمع الفلسطيني نفسه عبر نشر الفوضى وزرع أدوات الإجرام في جسد قطاع محاصر.

ابتزاز المساعدات وتهريب السجائر.. منظومة تدمير متكاملة

يرصد المقال آليات دقيقة استخدمتها إسرائيل لفرض سيطرتها غير المباشرة على السكان، عبر التلاعب بمنظومة المساعدات. فبدلاً من تأمين وصولها إلى المحتاجين، كانت توجّه القوافل إلى مناطق تسيطر عليها ميليشيات أبو شباب، لتقع ضحية النهب أو لابتزازها مقابل المرور.

ويشير كاتب المقال إلى أن ضباطاً عسكريين إسرائيليين دعوا صراحة، خلال اجتماعات مع منظمات إغاثية، إلى “التعاون” مع تلك العصابات، إما بدفع أموال لها أو السماح لها بنهب جزء من الشحنات.

الأسوأ من ذلك أن إسرائيل سمحت لتلك العصابات بتهريب كميات ضخمة من السجائر داخل قوافل المساعدات، وهو ما يُعد خرقًا فاضحًا لأبسط المعايير الإنسانية. كانت العصابات تبيع العلبة الواحدة بنحو 200 دولار في السوق السوداء، ما يعني أنّ تل أبيب ترعى سوقًا سوداء داخل غزة، تدر أرباحًا غير مشروعة على حساب السكان الجوعى.

هذه الأنشطة لا يمكن النظر إليها كأعمال منفصلة أو نتاج انهيار أمني، بل هي – كما يقول الكاتب – جزء من استراتيجية “إدامة الفوضى” وتفريغ غزة من عناصر الحياة الكريمة، لدفع سكانها للهجرة القسرية.

خطة “عربات جدعون”.. التهجير العسكري المقنع

المقال يختم بتحذير من المرحلة القادمة، في ظل استمرار عملية “عربات جدعون”، وهي خطة إسرائيلية عسكرية تدعو إلى تكثيف التواجد العسكري في أنحاء قطاع غزة، خاصة في شماله ووسطه، مع دفع السكان تدريجيًا نحو الجنوب، وصولًا إلى الحدود المصرية.

هذه الخطة، بحسب تحليل الكاتب، لا تهدف إلى إنهاء حماس أو استعادة “الأمن”، بل تسعى لوضع السكان أمام خيارين: البقاء في جحيم الفوضى أو الهروب نحو سيناء، ما يوازي عملية تطهير عرقي مقنّعة، تُنفّذ بأدوات العصابات والنهب والجوع، بدلًا من الدبابات والطرد المباشر.

تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعزز هذه المخاوف. ففي لقائه مع صحفيين في البيت الأبيض، قال بوضوح: “نعمل مع الولايات المتحدة للعثور على دول تمنح الفلسطينيين مستقبلاً أفضل”، مضيفًا: “من أراد المغادرة فيجب أن يكون قادراً على ذلك”.

هذا التصريح، من وجهة نظر الكاتب، لا يعبّر عن “رحمة”، بل عن رغبة عميقة في تفريغ غزة من أهلها، عبر استراتيجية طويلة الأمد تجمع القصف، التجويع، العصابات، والفوضى.

خاتمة: سياسة التطهير الناعم

إن ما كشفه التقرير ليس فقط شهادة على فشل إسرائيل في إيجاد حلول سياسية أو إنسانية، بل هو دليل على سياسة تطهير ناعم ومتدرج تنفذها دولة الاحتلال بوسائل غير تقليدية. من تدمير البنية التحتية إلى تمكين عصابات، من قوافل المساعدات إلى السوق السوداء، كل شيء يتحول إلى أداة تهجير.

إن صمت المجتمع الدولي، واكتفاء بعض الأطراف بالمطالبة بوقف إطلاق النار دون معالجة أدوات الاحتلال الجديدة، يمنح إسرائيل فرصة نادرة لإنجاز تهجير واسع، بدون أن تطلق رصاصة واحدة في بعض الحالات.

فما يجري في غزة اليوم لم يعد فقط حربًا على “حماس”، بل هو حرب ممنهجة على الوجود الفلسطيني ذاته.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتوحش: 50 ألف حامل في غزة بلا طعام.. وأطفالهن على حافة الموت