في خطوة مفاجئة تحمل رسائل سياسية متعددة، كشفت وكالة “رويترز” عن زيارة رسمية لوزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إلى العاصمة الأميركية واشنطن، بهدف التخطيط لزيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض في مايو/أيار المقبل.
الزيارة تأتي وسط تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، من غزة إلى اليمن، مرورًا بتداعيات اقتصادية ناتجة عن قرارات ترامب الحمائية الأخيرة.
هذه التحركات تُعيد للأذهان جولة ترامب الخارجية الأولى عام 2017، التي كانت السعودية أولى محطاتها، لكنها هذه المرة تأتي في سياق أكثر تقلبًا وسخونة، وفي ظل رغبة سعودية واضحة في إعادة تموضعها الاستراتيجي عبر البوابة الترامبية، خاصة بعدما تحدث الرئيس الأميركي عن دفع السعودية تريليون دولار مقابل زيارته تلك.

زيارة تُعيد ترامب إلى الواجهة وتُمهد لصفقات جديدة
تأتي زيارة فيصل بن فرحان بالتزامن مع تسريبات عن زيارة ترامب المرتقبة للسعودية في مايو، وهي أول زيارة خارجية له بعد عودته للبيت الأبيض ما يعكس رهانًا سعوديًا مبكرًا على إعادة تنشيط العلاقة الشخصية مع ترامب.
وبحسب مصادر مقربة من الديوان الملكي، فإن الزيارة تهدف بالأساس إلى التحضير لتوقيع اتفاقية استثمار جديدة، ما يثير مخاوف من تكرار سيناريو “قمة الرياض 2017” حين وعدت السعودية بضخ مئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأميركي، دون عائد ملموس للمملكة سوى المزيد من الابتزاز السياسي والمالي.
اللافت أن الإعلان عن الزيارة يأتي بعد أيام من قرارات اقتصادية اتخذها ترامب بإعادة فرض رسوم جمركية، وهو ما زعزع الأسواق العالمية وأثار قلقًا سعوديًا من تأثير ذلك على أسعار النفط، التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد المملكة.
في هذا السياق، يبدو أن الرياض تسعى لطمأنة ترامب مسبقًا بأنها ما تزال شريكًا اقتصاديًا “سخيًا”، ربما لإعادة بناء تحالف شخصي معه بعيدًا عن سياسات الديمقراطيين المتذبذبة تجاه المملكة.
غزة واليمن على الهامش… والخيارات السعودية تُثير الشكوك
بحسب ذات المصدر، فإن جدول زيارة الوزير السعودي يتضمن مناقشة تطورات الوضع في قطاع غزة، إلى جانب الحرب في اليمن.
غير أن غياب أي تصريح رسمي سعودي حول دعم حقيقي للشعب الفلسطيني، وسط ما يشهده القطاع من إبادة ممنهجة منذ أكتوبر 2023، يعكس استمرار الرياض في سياسة “النأي بالنفس”، والتي تزداد وضوحًا منذ دخول ولي العهد محمد بن سلمان في مشاورات تطبيع موسعة مع الاحتلال الإسرائيلي.
وفي الوقت الذي تعاني فيه غزة من المجازر والتجويع، يبدو أن التركيز السعودي موجه أكثر نحو تحصين العلاقة مع واشنطن، حتى لو جاء ذلك على حساب قضايا الأمة.
وتزداد المفارقة وضوحًا حين نعلم أن زيارة ترامب المرتقبة تشمل أيضًا الإمارات وقطر، ما يشير إلى إعادة ترتيب أوراق “معسكر التطبيع”، في ظل انسداد سياسي وميداني متزايد في فلسطين، وغضب شعبي عربي لا يجد من يصغي له في العواصم الرسمية.
أما بخصوص اليمن، فيبدو أن السعودية تحاول تمرير هذا الملف كجزء من “الهموم المشتركة”، دون طرح أي رؤية جديدة للحل، في وقت تتقدم فيه إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتعيد تموضع حلفائها الحوثيين في المعادلة اليمنية.
الرياض تعيد إنتاج العلاقة مع ترامب… بأي ثمن؟
من الواضح أن القيادة السعودية ترى في عودة ترامب فرصة لاستعادة النفوذ الأميركي التقليدي الذي يوفر الغطاء لحكمها، لكن هذه الرؤية تتجاهل السياق الدولي المتغير، وتكلفة الرهان على شخصية مثيرة للجدل مثل ترامب، خاصة أن الأخير يُعرف بابتزازه لحلفائه أكثر من دعمه لهم.
السعودية، التي أهدرت خلال عهد ترامب الأول مئات المليارات عبر صفقات تسليح واستثمارات لم تُثمر سوى عن “حلب مباشر” للثروة، تبدو مستعدة اليوم لتكرار نفس السيناريو، في وقت يعاني فيه اقتصادها من تحديات هيكلية، أبرزها ضعف تنوع الموارد واعتماد مفرط على النفط.
الأسوأ من ذلك، أن هذه التحركات تأتي بالتوازي مع تقدم خطوات التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يُنظر إليه شعبيًا كخيانة صريحة للقضية الفلسطينية، خاصة في ظل العدوان غير المسبوق على غزة، وصمت الرياض المطبق تجاهه.
فالزيارة إذن ليست مجرد تحرك دبلوماسي، بل تعبير عن “إعادة صياغة التحالفات”، بشكل يُقزم من مكانة المملكة العربية السعودية كقائدة للعالم الإسلامي، ويدفعها إلى هامش السياسات الأميركية لا مركزها.
التطبيع، الابتزاز، وخسارة البوصلة
زيارة فيصل بن فرحان إلى واشنطن، وما يتبعها من زيارة لترامب إلى الرياض، ليست مجرد مناسبات بروتوكولية، بل خطوات تمهيدية لإعادة إنتاج نموذج من العلاقة بين السعودية وأميركا، يقوم على الولاء الشخصي والمصالح الضيقة، لا على شراكة ندية أو احترام متبادل.
في وقتٍ تشتعل فيه جبهات المنطقة، وتُباد غزة تحت صمت رسمي عربي، يُصر محمد بن سلمان على تقديم السعودية كداعم لترامب ومشاريعه، ولو على حساب القضايا العادلة.
وهكذا، تتحول الزيارة من تحرك دبلوماسي إلى رمز لفقدان البوصلة… وتأكيد على أن الثروة وحدها لا تصنع قيادة، وأن التاريخ لا يرحم من خان فلسطين في ساعة العتمة.