عادت أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة المشهد الإقليمي بعد فترة من الجمود، مع تصاعد التوتر الدبلوماسي بين مصر وإثيوبيا على خلفية الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت السودان وامتدت آثارها إلى الأراضي المصرية، وهو ما اعتبرته القاهرة نتيجة مباشرة لأسلوب تشغيل السد دون تنسيق مسبق.
وقالت الحكومة المصرية إنّ ما جرى “يكشف بوضوح المخاطر الحقيقية للتصرفات الأحادية من جانب أديس أبابا”، مؤكدة أنّ غياب التنسيق الفني حول تصريف المياه تسبب في اضطراب منسوب النيل وارتفاعه بشكل مفاجئ في بعض المناطق.
اتهامات متبادلة وتدهور في الثقة
التصريحات المتبادلة بين الجانبين أعادت أجواء التوتر القديمة؛ فبينما أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنّ بلاده “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام النهج غير المسؤول الذي تتبعه إثيوبيا”، ردت أديس أبابا ببيان رسمي وصفت فيه تلك الاتهامات بأنها “غير دقيقة”، مشددة على أنّها تدير السد بشفافية، وتقدم تقارير فنية دورية لكل من مصر والسودان.
لكن القاهرة ترى أن ما تسميه إثيوبيا “شفافية” لا يعدو كونه تلاعبًا بالبيانات، وأن إدارة السد في مواسم الفيضان والجفاف تتم بشكل أحادي يهدد الأمن المائي لدول المصب، ويزيد من هشاشة منظومة النيل الشرقي.
فيضانات السودان ومخاوف مصر
الأزمة تفجّرت مع فيضانات غير مسبوقة ضربت مناطق سودانية وأخرى ريفية في مصر، خصوصًا في منطقة طرح النهر، حيث غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمنازل.
القاهرة حمّلت إثيوبيا المسؤولية المباشرة، معتبرة أن زيادة التصريفات من السد دون تنسيق مسبق ساهمت في تفاقم الأضرار. في المقابل، تذرعت أديس أبابا بـ”حقها السيادي في إدارة مواردها المائية”، ما زاد من حدة الخلاف السياسي والإعلامي بين الطرفين.
مأزق التفاوض واستمرار الغموض
بعد أكثر من عقد من المفاوضات، لم تتمكن الدول الثلاث — مصر والسودان وإثيوبيا — من التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.
وترى الدبلوماسية المصرية السابقة منى عمر أن جوهر الأزمة يكمن في انعدام الثقة المتبادل، موضحة أن “أي وساطة دولية ستظل عقيمة ما لم تُظهر أديس أبابا إرادة سياسية حقيقية للتوقيع على اتفاق مُلزم يضمن الحقوق المائية لدولتي المصب”.
وأضافت أن القاهرة رغم ذلك “تتمسك بالمسار السلمي وتعتبره الخيار الاستراتيجي”، لكنها في الوقت نفسه تترك جميع الخيارات مفتوحة في حال استمرار التعنت الإثيوبي.
تحركات دولية جديدة
وفي مؤشر على عودة الاهتمام الدولي بالملف، كشف كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أن واشنطن تعتزم لعب دور جديد لضمان حقوق جميع الأطراف ومنع اندلاع أي نزاع محتمل.
يأتي ذلك فيما تراهن القاهرة على تدويل القضية مجددًا عبر مجلس الأمن، خاصة بعد أن فشلت وساطات الاتحاد الإفريقي في تحقيق أي اختراق خلال السنوات الماضية.
تجدّد الأزمة اليوم يؤكد أن سد النهضة لم يعد مجرد مشروع تنموي إثيوبي، بل أصبح ملفًا استراتيجيًا شديد الحساسية يرتبط مباشرة بالأمن القومي لمصر والسودان.
ومع استمرار غياب الاتفاق القانوني وتنامي الآثار البيئية والهيدرولوجية، يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الشد والجذب السياسي، قد تحدد مستقبل مياه النيل ومصير العلاقات بين دول حوضه لعقود قادمة.
اقرأ أيضا: السودان بين تحذيرات الفيضانات وفشل إدارة ملف سد النهضة.. مصر في مرمى الخطر