في مشهد مأساوي وصفته السلطات بأنه “غير مسبوق منذ قرن”، ارتفع عدد ضحايا الفيضانات العنيفة التي اجتاحت ولاية تكساس الأميركية إلى أكثر من 104 قتلى، فيما تستمر عمليات البحث عن عشرات المفقودين، أغلبهم من الأطفال الذين كانوا يقضون عطلتهم الصيفية في مخيمات بمقاطعة كير، تزامناً مع احتفالات الرابع من يوليو.

وشهدت منطقة “تكساس هيل كانتري”، حيث يمر نهر غوادالوبي، الكارثة الأكثر فتكاً، إذ سجلت وحدها 84 وفاة، بينهم 28 طفلاً، قضوا نتيجة السيول العنيفة التي اجتاحت مخيماتهم.

الفيضانات العنيفة باغتت السكان بعد أن ارتفع منسوب النهر نحو 8 أمتار خلال 45 دقيقة فقط، وفق ما أعلنت وكالات الطوارئ، في حادثة تركت أثراً نفسياً بالغاً على المجتمع المحلي، خصوصاً عائلات الضحايا.

انهيار الأنظمة واتهامات بالتقصير

مع توالي الأنباء المفجعة، بدأت التساؤلات تتصاعد بشأن فعالية أنظمة الإنذار المبكر في الولاية.

ورغم تأكيد هيئة الأرصاد الوطنية (NWS) أنها أصدرت تحذيرات في الوقت المناسب، إلا أن عدداً كبيراً من الأهالي عبّروا عن غضبهم إزاء ضعف التنبيهات وعدم فاعلية نظام الإنذار الصوتي في المخيمات والأحياء الريفية.

عائلات الضحايا وجّهت انتقادات لاذعة للسلطات المحلية والفدرالية، معتبرين أن “الأرواح زهقت لأن الدولة لم تكن مستعدة بما فيه الكفاية”، وطالبوا بإنشاء نظام إنذار حديث يغطي كل المناطق المعرضة للفيضانات، خاصة في ظل تغيّرات مناخية متسارعة تزيد من احتمالات حدوث مثل هذه الكوارث.

وفي موقف دفاعي، نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن تكون سياسات إدارة ترامب المالية، خاصة المتعلقة بخفض ميزانيات بعض الوكالات، قد أثرت على أداء الأرصاد والإنقاذ.

لكن الردود لم تطفئ الغضب الشعبي، حيث يرى كثيرون أن الكارثة كشفت ضعف البنية التحتية في مواجهة الكوارث الطبيعية، وضعف التنسيق بين الأجهزة المعنية، رغم الموازنات الضخمة.

مخيم “ميستيك”.. مأساة الأطفال والبحث المستحيل

من أكثر المواقع التي شهدت الكارثة مأساوية كان مخيم “ميستيك” المسيحي للفتيات، حيث فُقد 27 من المشاركات والمشرفات، ولا تزال 11 منهن في عداد المفقودين حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

الفيضانات داهمت المكان ليلاً، بينما كان الأطفال نائمين في كبائن خشبية هشّة لا تملك مقاومة لأي كارثة طبيعية.

وتقول إحدى الأمهات باكية: “أرسلت ابنتي لتقضي أسبوعاً من المتعة والمرح، ولم أتخيل أن تعود لي في نعش… أو لا تعود أبداً”.

المنطقة تحولت إلى مسرح واسع للبحث عن الجثث أو أي أثر للمفقودين. وقال مسؤول الإغاثة في المنطقة إن عمليات التفتيش شملت حتى الآن أكثر من 100 كيلومتر من مجرى نهر غوادالوبي، عبر قوارب ومروحيات، بمشاركة 1750 فردًا من فرق الإنقاذ، و19 وكالة محلية وحكومية.

ورغم أن الأمل في العثور على ناجين يتضاءل، إلا أن فرق الإنقاذ تستمر في عمليات البحث الدقيقة، حيث يتم تقسيم المنطقة إلى قطاعات تُمسح بدقة باستخدام الكلاب المدربة وأجهزة التصوير الحراري. ويستغرق مسح كل قطاع من ساعة إلى ثلاث ساعات.

تكساس تبكي.. ولكنها لا تنهار

في مقابل هذا المشهد الكارثي، برزت صورة أخرى لا تقل أهمية: التضامن الشعبي.

شارك مئات المتطوعين في عمليات الإنقاذ والبحث، رغم تحذيرات السلطات من خطورة التواجد في مجاري السيول أو المناطق المشبعة بالمياه.

أحد المتطوعين قال لقناة محلية: “لا يمكنني البقاء في المنزل وأنا أعلم أن هناك من يحتاجني. هذه هي تكساس، نحن لا نتخلى عن بعضنا”.

في الشوارع، نصب السكان خيامًا لجمع التبرعات، وتقديم الطعام والشراب للمسعفين والعائلات المنكوبة، بينما تحولت الكنائس والمراكز الاجتماعية إلى ملاجئ مؤقتة.

في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة الفدرالية حالة كارثة كبرى، ما يتيح تقديم مساعدات طارئة تشمل الغذاء، والمأوى، والمستلزمات الطبية، والمساعدات المالية للناجين.

كارثة تكساس.. وجه آخر لتغير المناخ؟

تأتي هذه الكارثة في وقت تتزايد فيه تحذيرات العلماء من تداعيات تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة.

الفيضانات المفاجئة، وارتفاع منسوب الأنهار بسرعة مروعة، والدمار الهائل الذي تخلفه، أصبحت جميعها “علامات مقلقة” وفق ما قاله البروفيسور مايكل هول، خبير المناخ في جامعة تكساس.

وأضاف: “ما حدث في كير ليس مجرد حادثة نادرة، بل إنذار مبكر لما قد تواجهه الولايات المتحدة مستقبلاً إذا لم تتحرك بجدية لمواجهة آثار التغير المناخي”.

ختامًا: دروس من الماء والدموع

فيضانات تكساس لم تكن فقط كارثة طبيعية حصدت أرواح الأبرياء، بل كانت صفعة على وجه أنظمة الطوارئ والسياسات العامة التي لم تُعِر اهتماماً كافيًا لمخاطر المناخ.

وبينما يشيّع سكان تكساس ضحاياهم بالدموع والدعاء، تبقى أسئلة كثيرة بلا إجابة:

هل ستكون هذه الحادثة نقطة تحول في الاستعداد للكوارث؟

وهل ستجبر المأساة صناع القرار على تبني سياسات أكثر مسؤولية لحماية الإنسان والطبيعة؟

الإجابة، كما يبدو، ما زالت تنتظر مع الأمطار القادمة.

اقرأ أيضًا : قرار قضائي يقضي بترحيل 8 مهاجرين من جنسيات مختلفة إلى جنوب السودان رغم المخاطر