شهدت العاصمة التونسية، السبت، مسيرة احتجاجية حاشدة شارك فيها مئات المواطنين، بدعوة من تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين، لإحياء الذكرى الثالثة لاعتقال عدد من أبرز المعارضين في فبراير/شباط 2023، والمطالبة بالإفراج الفوري عنهم، في ظل ما وصفه المحتجون بـ”تواصل الاستبداد وتوظيف القضاء لتصفية الخصوم السياسيين”.

وجاءت هذه المسيرة في سياق سياسي متوتر، يتسم بتصاعد الاحتقان الاجتماعي وتراجع الحريات، ما جعل التحرك يحمل دلالات تتجاوز البعد التضامني، ليعكس حالة رفض واسعة لمسار الحكم الحالي وسياساته الأمنية والقضائية.

حراك في الشارع ورسائل احتجاج واضحة

تجمّع المحتجون وسط العاصمة، رافعين صور المعتقلين وشعارات قوية من بينها: “حريات حريات لا قضاء التعليمات”، و”يسقط الانقلاب”، و”يسقط قيس سعيد”، في تعبير مباشر عن رفضهم لما يعتبرونه هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء وتقييد المجال السياسي.

وشارك في المسيرة سياسيون من مختلف التيارات، وحقوقيون، ونشطاء مجتمع مدني، إلى جانب عائلات السجناء، في مشهد عكس استمرار التضامن الشعبي رغم الضغوط الأمنية والملاحقات.

وأكد المشاركون أن هذه الوقفة ليست حدثًا عابرًا، بل جزء من تحركات متواصلة للضغط من أجل إطلاق سراح المعتقلين، وإعادة الاعتبار للعدالة واستقلال القضاء.

ملف “التآمر”.. أداة لتصفية الخصوم؟

تعود جذور القضية إلى فبراير/شباط 2023، حين أطلقت السلطات حملة اعتقالات واسعة طالت شخصيات سياسية وحقوقية بارزة، بتهمة “التآمر على أمن الدولة”، من بينهم شيماء عيسى، خيام التركي، كمال اللطيف، غازي الشواشي، رضا بالحاج، الأزهر العكرمي، عصام الشابي، وعبد الحميد الجلاصي.

وقد صدرت بحقهم لاحقًا أحكام قاسية بالسجن لعشرات السنوات، وسط انتقادات محلية ودولية اعتبرت المحاكمات تفتقر إلى المعايير القانونية والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

ويرى مراقبون أن هذا الملف تحوّل إلى أداة سياسية لتفكيك المعارضة، وإرسال رسائل ردع لكل من يفكر في تحدي السلطة أو انتقادها علنًا.

رسائل من داخل السجون.. صمود رغم القمع

خلال المسيرة، برزت شهادات مؤثرة من عائلات المعتقلين، سلطت الضوء على أوضاعهم الصحية والنفسية داخل السجون، وعلى إصرارهم على مواصلة النضال.

وقالت وحيدة الهمامي، زوجة المحامي السجين العياشي الهمامي، إن زوجها يتمتع بمعنويات مرتفعة رغم ظروف الاعتقال، مشيرة إلى تحسن حالته الصحية بعد إضراب عن الطعام استمر أيامًا.

وأضافت أن العياشي يبعث برسالة واضحة من داخل السجن، تتمثل في مواصلة الاحتجاج شهريًا، وتنفيذ إضرابات رمزية مع بداية كل شهر، تعبيرًا عن رفضه للظلم الواقع عليه.

ويُعد العياشي الهمامي من أبرز المناضلين اليساريين في تونس، وشغل سابقًا منصب وزير، وهو محكوم بخمس سنوات سجن بتهمة “التآمر”، في قضية أثارت جدلًا واسعًا.

معاناة العائلات وغياب العدالة

من جهتها، أكدت منية إبراهيم، زوجة السجين عبد الحميد الجلاصي، أن الملف منذ بدايته ذو طابع سياسي، ولا علاقة له بالقانون أو القضاء المستقل.

وقالت إن الأحكام تضمنت “خروقات خطيرة”، وإن الحديث عن العدالة في تونس أصبح شبه مستحيل، في ظل ما وصفته بتغوّل السلطة وتهميش المؤسسات.

وأعربت عن قلقها إزاء الوضع الصحي لزوجها، الذي يعاني من أمراض خطيرة، بينها السرطان، معتبرة أن استمرار اعتقاله يشكل تهديدًا مباشرًا لحياته.

ويُذكر أن الجلاصي قضى سابقًا 17 عامًا في سجون نظام بن علي، ويُعد من القيادات البارزة في حركة النهضة، ما يعزز، وفق أنصاره، الطابع السياسي لقضيته.

تراجع الحريات ومسار سياسي مأزوم

تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه تونس تراجعًا ملحوظًا في مؤشرات الحريات العامة، وتضييقًا متزايدًا على الإعلام والمعارضة والمجتمع المدني، منذ قرارات 25 يوليو/تموز 2021، التي جمّع بموجبها الرئيس قيس سعيد السلطات بيده.

ويرى محللون أن اعتماد السلطة على المقاربة الأمنية والقضائية بدل الحوار السياسي يعمّق الأزمة، ويزيد من عزلة النظام داخليًا وخارجيًا، في ظل تدهور اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

كما يحذر حقوقيون من أن استمرار سياسة الاعتقالات والمحاكمات السياسية قد يدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام والاحتقان، ويقوض فرص الاستقرار.

بين الشارع والسلطة.. معركة مفتوحة

تعكس المسيرة الأخيرة أن ملف المعتقلين السياسيين لا يزال حيًا في الوجدان التونسي، وأن عائلات السجناء ومعارضي السلطة يرفضون طيّه أو التعامل معه كأمر واقع.

وفي ظل غياب مؤشرات على انفراج قريب، تبدو المواجهة بين الشارع والسلطة مرشحة للاستمرار، بين مطالب بالإفراج والعدالة، وإصرار رسمي على المضي في النهج الحالي.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تستجيب السلطة لصوت الشارع وتفتح باب المراجعة والحوار، أم تواصل سياسة القبضة الأمنية، بما يحمله ذلك من مخاطر على مستقبل تونس واستقرارها السياسي؟

اقرأ أيضًا : محامو تونس يحتجون على التضييق ويكشفون تصاعد قبضة السلطة في عهد قيس سعيّد