تكشف التقارير الدولية عن تحرك إسرائيلي جديد يهدف إلى توسيع حضوره العسكري في منطقة القرن الإفريقي، عبر دراسة إنشاء قاعدة عسكرية محتملة في إقليم أرض الصومال المطل على خليج عدن، في خطوة تعكس تحولات عميقة في معادلات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر. ويأتي هذا التحرك في سياق الحرب المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، وما تفرضه من إعادة رسم للخريطة العسكرية في الممرات البحرية الحيوية. وتشير المعطيات إلى أن المشروع لا يقتصر على تعاون أمني محدود، بل قد يتحول إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تسمح لتل أبيب بمراقبة التحركات العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن وتنفيذ عمليات مباشرة ضد جماعة الحوثي في اليمن، التي تعد أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن إسرائيل تبحث عن موطئ قدم عسكري بالقرب من السواحل اليمنية يسمح لها بتقليص المسافة العملياتية في أي مواجهة مستقبلية مع الحوثيين، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بسواحل أرض الصومال التي لا تبعد سوى مئات الكيلومترات عن اليمن.

دور إماراتي في فتح الباب أمام التمدد الإسرائيلي

ورغم أن التحرك يبدو في ظاهره اتفاقاً ثنائياً بين إسرائيل وأرض الصومال، فإن مؤشرات عديدة تشير إلى دور إماراتي محوري في تهيئة الأرضية لهذا الترتيب العسكري الجديد. فقد رسخت أبوظبي خلال السنوات الماضية حضورها الاقتصادي والعسكري في الإقليم، خصوصاً عبر إدارة ميناء بربرة الحيوي بواسطة شركة “دي بي وورلد”، إضافة إلى تطوير البنية التحتية للميناء والمطار العسكري القريب منه. هذا الوجود الإماراتي منحها نفوذاً واسعاً داخل الإقليم، ما يجعلها لاعباً أساسياً في أي ترتيبات أمنية أو عسكرية مستقبلية. ويرى مراقبون أن الإمارات قد تكون الجسر الذي تمر عبره إسرائيل إلى المنطقة، في إطار شبكة التحالفات التي نشأت بعد اتفاقيات التطبيع، حيث تسعى أبوظبي إلى لعب دور الوسيط بين تل أبيب وبعض القوى المحلية في القرن الإفريقي. ومن هذا المنظور، فإن المشروع المحتمل للقاعدة العسكرية الإسرائيلية لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الإماراتية الأوسع لتوسيع نفوذها في موانئ البحر الأحمر وخليج عدن.

اعتراف سياسي يمهد للتعاون الأمني

جاءت الخطوة الإسرائيلية بعد اعتراف تل أبيب رسمياً بإقليم أرض الصومال في نهاية العام الماضي، وهو اعتراف يحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي. فالإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991 لا يحظى باعتراف دولي واسع، ما يجعله في حاجة إلى شركاء خارجيين يمنحونه نوعاً من الشرعية السياسية والدعم الاقتصادي والعسكري. وقد فتحت هذه الحاجة الباب أمام إسرائيل لبناء علاقة استراتيجية مع سلطات هرجيسا، تشمل التعاون الأمني والتدريب العسكري وربما إنشاء منشآت عسكرية مشتركة. وتشير المعلومات إلى أن وفداً أمنياً إسرائيلياً زار بالفعل الإقليم لاستطلاع المواقع الساحلية المناسبة لإنشاء منشأة عسكرية محتملة، فيما جرى بحث عدد من المواقع المرتفعة القريبة من مدينة بربرة الساحلية التي تضم ميناءً استراتيجياً ومدرجاً عسكرياً للطائرات.

البحر الأحمر ساحة مواجهة إقليمية متصاعدة

تأتي هذه التحركات في لحظة تشهد فيها منطقة البحر الأحمر توتراً غير مسبوق نتيجة الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران وتداعياتها على الملاحة الدولية. فقد أدت الهجمات المتبادلة والتهديدات العسكرية إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل جزئي لحركة التجارة البحرية، خاصة مع تصاعد المخاوف من توسع دائرة الصراع إلى مضيق هرمز وممرات الشحن الحيوية. وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل إلى تأمين خطوط الملاحة المؤدية إلى ميناء إيلات وإلى مراقبة أي تحركات عسكرية قد تهدد السفن المتجهة نحو البحر الأحمر. كما ترى تل أبيب أن وجود قاعدة عسكرية بالقرب من اليمن قد يمنحها قدرة أكبر على الردع والرقابة الاستخباراتية في مواجهة الحوثيين، الذين أعلنوا مراراً استعدادهم لاستهداف إسرائيل دعماً للفلسطينيين في غزة.

الحوثيون في صدارة الحسابات العسكرية الإسرائيلية

تعتبر إسرائيل جماعة الحوثي أحد أخطر التهديدات الإقليمية المرتبطة بإيران، خصوصاً بعد أن أثبتت الجماعة قدرتها على استهداف السفن في البحر الأحمر وإطلاق صواريخ بعيدة المدى. وتقدّر المؤسسات الأمنية الإسرائيلية أن الحوثيين يمتلكون ترسانة صاروخية كبيرة قد تصل إلى مئات الصواريخ القادرة على الوصول إلى الأراضي المحتلة أو استهداف المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر. ولهذا ترى تل أبيب أن إنشاء قاعدة قريبة من اليمن قد يمنحها قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية الحوثية وتوجيه ضربات استباقية عند الضرورة. كما أن الموقع الجغرافي لأرض الصومال يمنح إسرائيل ميزة استراتيجية تتمثل في الإشراف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

مخاطر جر القرن الإفريقي إلى صراع إقليمي

غير أن هذا التوجه يثير مخاوف واسعة من احتمال تحويل القرن الإفريقي إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي والدولي. فوجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال قد يجر الإقليم إلى مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية متعددة، من بينها إيران وحلفاؤها، فضلاً عن الجماعات المسلحة الناشطة في الصومال مثل حركة الشباب. كما أن الخطوة قد تزيد من التوتر مع تركيا التي تدعم الحكومة الصومالية المركزية وتملك أكبر قاعدة تدريب عسكرية لها في العاصمة مقديشو. وبذلك فإن المشروع الإسرائيلي المحتمل لا يقتصر على كونه خطوة عسكرية ضد الحوثيين، بل قد يكون بداية لتحول أوسع في توازنات القوة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.

اقرأ أيضا : إيران تحتفظ بترسانتها الصاروخية رغم الحرب.. خيبة أمل أمريكية إسرائيلية متزايدة