طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» القيادة الألمانية بمواجهة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد علناً بشأن ما وصفته بدور الإمارات في تأجيج الحرب والانتهاكات في السودان، محذرة من أن توسيع الشراكات الاقتصادية والأمنية مع أبوظبي، مع تجاهل هذه الاتهامات، يساهم في ترسيخ الإفلات من العقاب.
وتأتي مطالبة المنظمة قبيل زيارة مرتقبة لمحمد بن زايد إلى برلين في 10 سبتمبر/أيلول 2026، حيث يُنتظر أن يلتقي المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس فرانك-فالتر شتاينماير وعدداً من كبار المسؤولين الألمان.
تقرير أممي يوثق شبكات مرتبطة بالإمارات
استندت «هيومن رايتس ووتش» في موقفها إلى تقرير أصدرته البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في الأول من سبتمبر/أيلول، قالت إنه وثّق دور أفراد وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها في شبكات ساهمت في تجنيد وتمويل ونقل ونشر مقاتلين أجانب، إلى جانب تقديم دعم عسكري استفادت منه ميليشيا الدعم السريع.
وأشار التقرير، بحسب المنظمة، إلى مسؤولية قوات الدعم السريع عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن انتهاكات قال محققو الأمم المتحدة إنها تحمل «مؤشرات على حدوث إبادة جماعية». وفي المقابل، تنفي الإمارات الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع.
مقاتلون كولومبيون وشركة مقرها أبوظبي
وكانت «هيومن رايتس ووتش» قد قالت في تقرير سابق صدر في مايو/أيار 2026 إن شركة «المجموعة العالمية للخدمات الأمنية»، ومقرها أبوظبي، جنّدت منذ عام 2024 مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين، قبل نشرهم في السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
ووفق المنظمة، كان بعض هؤلاء المتعاقدين موجودين في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بالتزامن مع سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة وارتكاب انتهاكات واسعة هناك.
ودعت المنظمة ألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي إلى التحقيق في دور الشركة ومديرها التنفيذي محمد حمدان الزعابي، تمهيداً لفرض عقوبات محددة الهدف، كما طالبت بفرض حظر أوروبي على توريد الأسلحة إلى الإمارات، وإدانة أي مساعدة تقدم لقوات الدعم السريع.
انتقاد للصمت الألماني
واعتبر فيليب فريش، مدير ألمانيا في «هيومن رايتس ووتش»، أن إحجام برلين عن التطرق علناً إلى الدور الإماراتي في السودان يثير القلق، خصوصاً أن ألمانيا كانت من الدول التي ساهمت في الدفع نحو إنشاء بعثة تقصي الحقائق الأممية واستضافت مؤتمراً دولياً بشأن السودان خلال العام الجاري.
وترى المنظمة أن استمرار ألمانيا في تجنب الضغط العلني على أبوظبي يتناقض مع الدور الذي تقول برلين إنها تلعبه في دعم التحقيق في الفظائع والانتهاكات المرتكبة داخل السودان.
صفقات واستثمارات في خلفية الزيارة
وتزداد حساسية الزيارة في ظل تقارير عن استعداد ألمانيا والإمارات للإعلان عن شراكة استثمارية كبيرة، بالتزامن مع لقاءات مرتقبة مع شركات تصنيع أسلحة ألمانية ومأدبة رسمية للرئيس الإماراتي.
وحذرت «هيومن رايتس ووتش» من أن المصالح الاقتصادية والأمنية الألمانية مع أبوظبي لا ينبغي أن تأتي على حساب ملف حقوق الإنسان أو مساءلة الأطراف المتهمة بتغذية النزاعات المسلحة.
وطالبت المنظمة برلين بأن تعلن استعدادها لفرض عقوبات على الكيانات الإماراتية التي يثبت تورطها في نقل الأسلحة أو المقاتلين إلى السودان، بدلاً من الاكتفاء بمواقف دبلوماسية عامة تجاه الحرب.
القمع داخل الإمارات أيضاً على الطاولة
ولم تقتصر مطالب المنظمة على السودان، إذ دعت المسؤولين الألمان إلى إثارة ملف الحريات داخل الإمارات، مشيرة إلى القيود المفروضة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وملاحقة معارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان بأحكام سجن طويلة.
وأشارت تحديداً إلى تأييد محاكم إماراتية خلال عام 2025 أحكاماً بحق 83 معارضاً ومدافعاً عن حقوق الإنسان في محاكمة جماعية، كما طالبت بالإفراج عن الحقوقي الإماراتي أحمد منصور، المعتقل منذ عام 2017.
بين المصالح الاقتصادية وجرائم السودان
وتضع مطالب «هيومن رايتس ووتش» الحكومة الألمانية أمام اختبار واضح: فبينما تسعى برلين إلى تعزيز علاقاتها الاستثمارية والأمنية مع أبوظبي، تتزايد الدعوات الحقوقية والدولية للتحقيق في شبكات مرتبطة بالإمارات يُتهم بعضها بالمساهمة في إمداد قوات الدعم السريع بالمقاتلين والدعم العسكري.
وبالنسبة للمنظمة، فإن استقبال محمد بن زايد بحفاوة وتوسيع التعاون مع أبوظبي، دون مواجهة هذه الملفات بصورة علنية، يهدد بتقويض الموقف الألماني المعلن من الانتهاكات في السودان، ويبعث برسالة بأن المصالح السياسية والاقتصادية يمكن أن تتقدم على المساءلة عن واحدة من أكثر الحروب دموية في المنطقة.