سقطت مدينة الفاشر بعد حصار دام أكثر من ثمانية عشر شهرًا، في واحدة من أكثر مراحل الحرب السودانية دموية، لتتحول المدينة إلى مركز فوضى ودمار وانتهاكات واسعة نفذتها قوات الدعم السريع التي باتت تسيطر على أجزاء كبيرة من دارفور. ما حدث في الفاشر خلال الأيام الأولى من سقوطها لا يُختزل في معركة عسكرية، بل يمثل مشهدًا مكتمل الأركان لجريمة منظمة ضد السكان المدنيين، ارتكبتها ميليشيا تلقت تمويلًا وتسليحًا ورعاية سياسية من الخارج، وعلى رأس من وفّر لها ذلك، الإمارات العربية المتحدة.
في مستشفى الفاشر الجنوبي بدأت المجزرة حين اقتحم مسلحون من الدعم السريع أجنحة العلاج وقاعات العمليات وأطلقوا النار على الجرحى داخل أسرّتهم. الممرضة نوال خليل، التي كانت تعمل هناك منذ ثلاث سنوات، أصيبت بطلقين أثناء محاولتها إنقاذ مريضة مسنّة تحتاج إلى نقل دم، وشهدت بأم عينيها مقتل ستة جرحى بينهم نساء، قبل أن تضطر للهرب سيرًا على الأقدام إلى مدينة غَرني مصابة ودون طعام أو ماء. روايات الممرضين والناجين الذين خرجوا من المدينة أكدت أن مقاتلي الدعم السريع أعدموا جنودًا ومدنيين جرحى داخل المستشفى، وضربوا الطاقم الطبي بأعقاب البنادق، ثم نهبوا ما تبقى من أدوية ومعدات.
لم تقتصر الجرائم على المستشفيات، إذ تحدثت القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش عن مقتل أكثر من ألفي مدني بعد سقوط المدينة، فيما أظهرت مقاطع مصورة تحققت منها الأمم المتحدة عشرات الجثث في الشوارع ومحيط القيادة العسكرية السابقة. في غَرني، جنوب غربي الفاشر، احتجزت قوات الدعم السريع مئات المدنيين والعسكريين السابقين وفرضت عليهم فدى مالية تتراوح بين خمسة وعشرة ملايين جنيه سوداني مقابل إطلاق سراحهم، بينما تُرك من عجز عن الدفع في السجون الميدانية لأيام دون طعام أو علاج. كثير من الناجين الذين تمكنوا من الوصول إلى تويلة تحدثوا عن فخاخ نُصبت على طرق الهروب، حيث أقام المقاتلون آبارًا مزيفة لجذب العطشى ثم قتلهم والاستيلاء على أموالهم.
وراء هذه الجرائم الميدانية بنية دعم خارجي متكاملة. فالمؤشرات التي رصدتها فرق الأمم المتحدة وخبراؤها منذ مطلع عام 2024 تشير إلى أن قوات الدعم السريع تلقت تمويلًا وتسليحًا مستمرًا من الإمارات عبر شبكات نقل وإمداد تمر من قواعد جوية وموانئ تسيطر عليها أبوظبي في المنطقة، ولا سيما قاعدة الظفرة الجوية وموانئ على البحر الأحمر. تقارير مجلس الأمن تحدثت عن شحنات جوية إماراتية إلى تشاد وشمال دارفور تحت غطاء “مساعدات إنسانية”، بينما كانت في الواقع تنقل ذخائر ومعدات اتصالات وطائرات مسيّرة. هذا النمط من الإمداد الخارجي لم يكن استثناءً، بل امتدادًا لدور إماراتي موثّق في تسليح أطراف في ليبيا واليمن في خرق متكرر لحظر السلاح الأممي.
إلى جانب السلاح، لعبت الإمارات الدور الأهم في تمويل الحرب عبر استحواذها على الذهب السوداني. فبعد سيطرة قوات الدعم السريع على مناجم جبل عامر ومناطق إنتاج الذهب في شمال دارفور، أصبح الذهب يُهرّب إلى دبي من خلال شركات واجهة أنشأها قادة الميليشيا، وعلى رأسهم محمد حمدان دقلو “حميدتي” وأفراد عائلته. العائدات الناتجة عن هذه التجارة موّلت عمليات القتال وشراء الأسلحة والوقود وتجنيد المرتزقة، فيما تجاهلت السلطات الإماراتية المطالب الدولية بفرض رقابة على تجارة الذهب القادمة من مناطق النزاع.
الصلات بين مسار التسليح في السودان ومسارات السلاح في مناطق نزاع أخرى مثل غزة ليست نظرية، بل توثّقها تراخيص تصدير بريطانية صادرة للإمارات. فالتقارير التي وصلت إلى مجلس الأمن خلال عامي 2024 و2025 أظهرت وجود معدات بريطانية الصنع في مواقع قوات الدعم السريع، أبرزها أجهزة استهداف من إنتاج شركة “ميلتك” ومحركات مدرعات من شركة “كومنز” البريطانية، وهي مكونات سُلّمت للإمارات بموجب تراخيص مفتوحة تسمح بإعادة التصدير دون رقابة نهائية. وبهذا، فإن بعض الأسلحة والمعدات التي تستخدمها إسرائيل في غزة أو تُصدّرها الإمارات إلى شركائها، هي ذاتها التي وجدت طريقها إلى دارفور لتغذية حرب الإبادة هناك.
هذا الترابط بين المال الخليجي والسلاح البريطاني والميليشيات المحلية يعيد رسم خريطة النزاعات في المنطقة. فالإمارات لا تقدم الدعم العسكري بمعناه التقليدي فحسب، بل تدير شبكة نفوذ اقتصادية وعسكرية تمتد من ليبيا والساحل الإفريقي حتى السودان، وتستخدمها لتحقيق نفوذ سياسي وتوسيع حضورها في الموانئ وطرق التجارة. وحين تتحول هذه الشبكات إلى قنوات تمويل وتسليح لقوات متهمة بالإبادة، فإن الأمر يتجاوز التواطؤ إلى شراكة فعلية في الجريمة.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منهارة، بل مرآة لحرب تُدار من خارج حدود السودان. الميليشيا التي قتلت الجرحى داخل المستشفيات وحاصرت المدنيين بلا ماء ولا غذاء، لم تكن لتفعل ذلك دون المال والسلاح الذي يتدفق من أبو ظبي، ولا دون الصمت البريطاني على تحويل مسارات صادراته العسكرية. وما لم يُفتح تحقيق دولي في هذا التورط، ستظل دارفور ساحةً مفتوحة لجرائم لا تنتهي، وسيتحول الذهب والدم والسلاح إلى معادلة ثابتة في صفقات السياسة التي تُبرم على حساب أرواح السودانيين.