لم تكن فاطمة نوفل تطلب من الحياة أكثر من أن تحتفظ بما بقي لها من أسرتها، وأن تمنح طفلها الصغير فرصة ليكبر بعيدًا عن القصف والخوف. لكنها وجدت نفسها، للمرة الثانية، تقف أمام أنقاض منزلها وتبحث عن ابن دفن تحت الركام، بعد أن كانت قد فقدت ثلاثة من أبنائها في غارة إسرائيلية سابقة. وبين المأساتين، لم يكن هناك سوى خمسة عشر شهرًا عاشتها وهي تظن أن مولودها الجديد جاء ليعيد بعض النور إلى بيت أطفأه الفقد.

في غرفة صغيرة بجوار نافذة مفتوحة داخل منزل العائلة في مخيم البريج وسط قطاع غزة، كان زيد نوفل، البالغ من العمر خمسة عشر شهرًا، نائمًا من دون غطاء. كانت حرارة الصيف شديدة، ولذلك تركته والدته بالقرب من النافذة لعل نسمة هواء تساعده على النوم. وقبيل الساعة الثالثة فجرًا، استيقظت فاطمة بسبب الحر وانتقلت إلى مكان آخر داخل المنزل، تاركة طفلها الصغير في موضعه. بعد دقائق، استهدفت غارة إسرائيلية المنزل، فانهارت أجزاء منه ودفنت جسد زيد الصغير تحت الركام.

وقفت فاطمة، وهي امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 38 عامًا، وسط الدماء والغبار وأصوات الجيران، عاجزة عن استيعاب ما حدث. وعلى الرغم من إصابتها في الغارة، رفضت مغادرة المكان أو التوجه لتلقي العلاج، وظلت تطلب من الجيران البحث عن ابنها. كانت الغرفة ممتلئة بالحجارة والحطام، وبدأ الرجال يرفعون الركام قطعة بعد أخرى حتى عثروا عليه. أُخرج زيد ملفوفًا بغطاء خفيف ونُقل إلى المستشفى، لكنه كان قد فارق الحياة.

قالت فاطمة إنها لا تزال تعيش في صدمة عميقة، وإن ذاكرتها توقفت تقريبًا عند لحظة استيقاظها قبل الغارة بدقائق. لم تكن تلك المرة الأولى التي تنتظر فيها انتشال أحد أبنائها من تحت أنقاض قصف إسرائيلي؛ فقد أعاد مقتل زيد إلى قلبها مأساة 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين فقدت ثلاثة من أبنائها في غارة واحدة، ولم ينج من الأسرة سوى فاطمة وابنتيها.

مع بداية الحرب، غادرت العائلة مخيم البريج وتوجهت إلى منطقة السوارحة في بلدة الزوايدة الساحلية، معتقدة أنها ستكون أكثر أمانًا من المناطق القريبة من الحدود. كانت الأسرة تحاول النجاة فقط، لكنها لم تتخيل أن المكان الذي لجأت إليه طلبًا للحماية سيصبح المكان الذي تشاهد فيه فاطمة مقتل أبنائها الثلاثة ومعظم أفراد عائلة زوجها.

أسفرت الغارة حينها عن مقتل ابنها الأكبر أمين، وكان يبلغ من العمر 16 عامًا، وشقيقه حمزة البالغ من العمر 11 عامًا، إضافة إلى رضيعها أحمد الذي لم يكن قد أكمل سوى 22 يومًا من عمره. كما أُصيبت فاطمة وابنتاها ودُمر المكان الذي كن يحتمين فيه، لتبدأ بعد ذلك رحلة طويلة من النزوح المتكرر، والفقد، ومحاولات العثور على مأوى في قطاع لم يعد فيه مكان آمن.

وبعد نحو عشرة أشهر من مقتل أبنائها الثلاثة، عرفت فاطمة أنها حامل. كان الخبر بالنسبة إليها نافذة صغيرة فُتحت في جدار الحزن، وتضاعفت فرحتها عندما علمت أن الجنين ذكر. وفي 16 أبريل/نيسان 2025، أنجبت زيد وسط الحرب المستمرة على غزة، ورأت فيه العائلة معجزة صغيرة جاءت لتعيد شيئًا من الحياة إلى بيت عاش شهورًا طويلة من الألم والدموع.

اقترح بعض الأقارب أن يحمل الطفل اسم أحد إخوته الراحلين، لكن فاطمة رفضت. كانت تريد له اسمًا خاصًا وحياة مختلفة ومصيرًا لا يشبه مصير أشقائه. اختارت له اسم زيد، وتعلقت به العائلة كلها، حتى أصبح، كما وصفته والدته، «فرحة البيت». كانت شقيقتاه تنتظرانه على الدرج كلما أخذته أمه إلى العيادة للحصول على التطعيمات أو إجراء الفحوص الطبية، فلم تكونا تحتملان غيابه عنهما ولو لساعات قليلة.

لكن الاسم الجديد لم يمنح الطفل المصير الذي حلمت به والدته. فقد أصابت الغارة فاطمة بحروق في قدميها، وأُصيبت ابنتها الكبرى براء بجروح طفيفة، بينما تعرضت ابنتها الصغرى لينا لإصابة في الرأس استدعت بقاءها في المستشفى. وعندما زارتها فاطمة، كان أول سؤال طرحته الطفلة عن شقيقها زيد. لم تستطع الأم أن تخبر ابنتها المصابة بالحقيقة، فقالت لها إن زيد بخير وإنه ينتظر عودتها، بينما كانت تعرف أنها ستضطر، بعد خروج لينا من المستشفى، إلى إخبارها بأن أخاها الصغير لن ينتظرها هذه المرة.

لا يقتصر حزن فاطمة على مقتل زيد، بل يمتد إلى الحياة التي لم تتح له فرصة أن يعيشها. ففي اليوم الذي قُتل فيه، كان مضطربًا ويريد الخروج من المنزل، وقالت والدته لبناتها إنها تتمنى لو استطاعت اصطحابه إلى مكان يلعب فيه، لكن الحرب لم تترك للأطفال ساحات أو حدائق أو أماكن آمنة. عاش زيد معظم حياته داخل المنزل، وحتى أبناء عمومته الذين كان يمكن أن يلعب معهم قُتلوا هم أيضًا في غارات إسرائيلية.

وفي اليوم نفسه الذي قُتل فيه زيد داخل مخيم البريج، قُتلت الطفلة رتيل العبادلة، البالغة من العمر تسع سنوات، في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة عمها في منطقة المواصي. كانت الطفلة قد ذهبت برفقة والدتها وإخوتها لزيارة عمها قبل يومين، في محاولة لمنحها استراحة قصيرة من واقع الحرب. وانتشر مقطع مصور لوالدها عبد الله العبادلة وهو يحمل جسدها ويسأل عما فعلته طفلته حتى تستحق هذا المصير، وهو السؤال نفسه الذي بات يتكرر على ألسنة عدد لا يحصى من الآباء والأمهات في غزة.

بالنسبة إلى فاطمة، لا تستطيع الأرقام والتقارير أن تختصر ما حدث، ولا يمكن لأي إحصائية أن تشرح معنى أن تفقد أم أربعة أبناء، بينهم رضيعان، في غارات إسرائيلية منفصلة. ثلاثة منهم قُتلوا أمامها في عام 2023، ثم جاء زيد ليمنحها سببًا جديدًا للابتسام، قبل أن يُقتل هو الآخر بعد خمسة عشر شهرًا فقط من ولادته.

تجلس فاطمة اليوم إلى جوار ابنتها المصابة في المستشفى، بينما تواجه أسئلة لا تعرف كيف تجيب عنها: أين ستعيش أسرتها بعد تدمير المنزل؟ وكيف ستخبر لينا أن شقيقها الذي تنتظره لن يعود؟ وكيف يمكن لأم أن تبدأ حياتها مرة أخرى بعدما عاشت المأساة نفسها مرتين؟

تقول فاطمة وهي تصف ما بقي داخلها بعد رحيل أبنائها الأربعة: «النار مشتعلة في صدري، ولا أعرف من سيطفئها».