بقلم / سيف الدمنهوري

تعيش غزة اليوم تحت وابل من القصف والاجتياح الإسرائيلي، فيما يصرّ رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو على تقديم الحرب بوصفها “معركة وجودية” لا يمكن التراجع عنها.

ومع اتساع رقعة الدمار وتشريد مئات الآلاف من السكان، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: ما الذي يمكن أن يجبر حكومة نتنياهو، بكل ما تمثله من تطرف أيديولوجي وائتلاف هش، على وقف هذه الحرب والانسحاب من مغامرة الاحتلال؟.

الإجابة لا تنفصل عن التوازنات بين الداخل الإسرائيلي المتصدع، وضغوط المؤسسة العسكرية، والموقف الأمريكي، إضافة إلى التداعيات الدولية التي قد تعيد تشكيل معادلة الحرب.

صراع داخلي بين التطرف والمعارضة

في قلب السياسة الإسرائيلية يقف صراع واضح بين تيار اليمين المتشدد بقيادة شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، والذين يعتبرون أن الاحتلال الكامل لقطاع غزة فرصة تاريخية يجب اغتنامها، وبين تيار المعارضة الذي يرى أن استمرار الحرب سيقود إلى مزيد من الخسائر الاستراتيجية.

المتطرفون يعتقدون أن الدعم الأمريكي الحالي يوفر غطاءً نادرًا لتنفيذ مخططات “الحسم العسكري”، ويعتبرون أن الدمار الواسع في غزة يعزز حجتهم بأن الطريق أصبح ممهّدًا لاستكمال السيطرة. في المقابل، ترى المعارضة، مدعومة بعائلات الأسرى، أن ما جرى حتى الآن مجرد خداع للرأي العام، وأن استنزاف الجيش وفشل تحقيق أهداف ملموسة يثبت ضرورة التوجه إلى تسوية سياسية، خصوصًا عبر صفقة تبادل للأسرى.

الجيش بين الحسابات الميدانية والقرار السياسي

المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باتت أكثر حذرًا. أحداث حي الزيتون الأخيرة – والتي تسببت في خسائر موجعة لجنود الاحتلال – تعزز حجتها بأن العمليات الميدانية لا تحقق بالضرورة “النصر” الذي يروّج له نتنياهو. قيادة الجيش تميل إلى إعطاء مساحة للمسار السياسي ولو بشكل مؤقت، خشية أن تتحول الحرب إلى مستنقع استنزاف طويل الأمد.

بكلمات أخرى، الجيش لا يرى أفقًا لحسم عسكري كامل، بل يدرك أن المقاومة ما زالت قادرة على إلحاق خسائر، وأن استمرار العمليات بهذا الشكل يضعف صورة الجيش داخليًا وخارجيًا. لذا قد تكون الضغوط داخل الكابينت، بدعم من هيئة الأركان، أحد أبرز العوامل التي تدفع نتنياهو للقبول بوقف أو تهدئة مؤقتة.

الدور الأمريكي: المحدّد الحاسم

لا يمكن فهم حسابات نتنياهو دون استحضار موقف واشنطن. الإدارة الأمريكية هي الداعم الأكبر للعملية العسكرية، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى ضبط إيقاعها بما لا يجر المنطقة إلى انفجار شامل.

واشنطن منحت نتنياهو أكثر من مهلة زمنية لـ”إنهاء المهمة”، لكن النتائج على الأرض أثبتت عجز الاحتلال عن تحقيق أهدافه. هنا يصبح السؤال: هل تسمح الإدارة الأمريكية باستمرار حرب مفتوحة بلا سقف؟ أم أنها ستفرض قيودًا زمانية وسياسية تجبر حكومة نتنياهو على الذهاب إلى مسار تفاوضي، ربما يبدأ بصفقة الأسرى ويمهد لاحقًا لمسار أوسع؟.

المجتمع الإسرائيلي والاحتجاجات

رغم معاناة الإسرائيليين من الخسائر البشرية والاقتصادية، فإن الاحتجاجات الداخلية لم تصل بعد إلى مستوى قادر على كسر إرادة نتنياهو. التظاهرات محدودة، وغالبًا تركز على قضايا الأسرى أو الفساد السياسي، لكنها لم تتحول إلى عصيان مدني أو إضرابات شاملة.

ومع ذلك، إذا تزايد الضغط الشعبي بفعل طول أمد الحرب أو تفاقم الخسائر، فإن ذلك قد يجبر نتنياهو على تقديم تنازلات سياسية، ولو بهدف الحفاظ على تماسك ائتلافه المأزوم.

البعد الدولي وعزلة إسرائيل المتنامية

كلما طال أمد الحرب، زادت عزلة إسرائيل على المستوى الدولي. مشاهد الإبادة الجماعية والدمار الهائل في غزة تحرك الرأي العام الغربي وتضع الحكومات أمام ضغوط داخلية متزايدة. عزلة إسرائيل لم تعد مجرد خطر نظري، بل واقع يهدد اقتصادها وصورتها الاستراتيجية.

وقد يصبح تدخل أطراف أوروبية أو تحرك أممي أكثر صرامة عاملاً إضافيًا للضغط على حكومة الاحتلال، خصوصًا إذا ارتبط بتهديدات اقتصادية أو سياسية ملموسة.

معضلة نتنياهو الشخصية

بعيدًا عن الحسابات العسكرية والسياسية، يواجه نتنياهو معضلة شخصية وجودية. فهو يرى أن أي وقف للحرب قبل تحقيق “إنجاز ملموس” سيعني نهاية حياته السياسية وربما ملاحقته قضائيًا. 

لذلك يصر على الاستمرار، حتى لو على حساب دماء الفلسطينيين وجنوده على السواء. لكن إذا تراكمت العوامل السابقة – ضغوط الجيش، احتجاجات داخلية، قيود أمريكية، عزلة دولية – فقد يجد نفسه مجبرًا على القبول بوقف العمليات، ليس عن قناعة بل كخيار اضطراري لإنقاذ ما تبقى من سلطته.

خاتمة: أي مستقبل؟

إذن، ما الذي قد يوقف زحف نتنياهو نحو احتلال غزة؟ المسألة لا ترتبط فقط بموازين القوى العسكرية، بل بمزيج من العوامل السياسية الداخلية والخارجية. حدث استثنائي ميداني ككمين ناجح للمقاومة قد يغير المعادلة، وضغط أمريكي قد يرسم حدود الحرب، واحتجاج شعبي قد يفرض التراجع. لكن طالما بقيت هذه العوامل متفرقة ولم تجتمع في لحظة حاسمة، سيواصل نتنياهو المضي في مشروعه الدموي.

الرهان إذن على التقاء هذه الضغوط معًا، لتتحول الحرب من خيار “الضرورة” الذي يروّج له نتنياهو إلى عبء وجودي لا يمكن احتماله، وعندها فقط قد تُفتح نافذة لوقف الاحتلال.

اقرأ أيضًا : انقسام حاد داخل الجيش الإسرائيلي حول احتلال غزة والأسرى.. كيف فعلتها المقاومة؟