في تصعيد خطير يعكس مدى استخفاف الميليشيات المسلحة بحياة المدنيين والبنى التحتية الحيوية، تعرضت محطة كهرباء عطبرة بولاية نهر النيل شمالي السودان لقصف مباشر بطائرات مسيرة، ما أدى إلى مقتل وإصابة عشرات النازحين الذين لجأوا إلى المنطقة هربًا من أهوال الحرب في العاصمة الخرطوم وأم درمان.
الهجوم الذي تسبب أيضًا في انقطاع التيار الكهربائي عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، وسط اتهامات مباشرة لمليشيا “الدعم السريع” المدعومة من النظام الإماراتي.
قصف مدروس يستهدف الفارين من الموت
وقع الهجوم مساء الأحد، عندما استهدفت طائرات مسيرة – يُعتقد أنها تتبع لمليشيا الدعم السريع – محطة كهرباء عطبرة التحويلية، إحدى أهم منشآت الطاقة في شمال السودان.
وبحسب مصادر ميدانية وشهود عيان، فقد أصابت الضربات الموقع بشكل مباشر، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية للمحطة، واشتعال النيران في محيطها، وسقوط عشرات القتلى والجرحى من بين النازحين الذين كانوا يقطنون بالقرب منها.
وكان أغلب الضحايا من النازحين القادمين من الخرطوم وأم درمان، والذين فرّوا من المعارك الدامية المستمرة منذ أبريل 2023، بحثًا عن ملاذ آمن في ولايات الشمال، ظنًا منهم أن البعد الجغرافي سيحميهم من جحيم القصف والمواجهات العسكرية. إلا أن يد الموت طاردتهم إلى عطبرة، حيث تحوّل استهداف محطة الكهرباء إلى مأساة إنسانية جديدة، تضاف إلى سجل الدعم السريع المتخم بالجرائم والانتهاكات.

عقيدة الحرب ضد المدنيين.. بصمة الدعم السريع
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تبنّت الأخيرة نهجًا عسكريًا يعتمد على العقاب الجماعي واستهداف المناطق المدنية، بغرض بث الرعب وفرض السيطرة بالقوة.
ويتّهم ناشطون ومنظمات حقوقية ميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها التطهير العرقي في دارفور، واستهداف المستشفيات ومراكز الإيواء، واليوم، منشآت الكهرباء الحيوية.
ووفقًا لمصادر متطابقة من داخل الجيش السوداني، فإن الطائرات التي نفذت الهجوم على محطة عطبرة من نوع “درون انتحاري”، وهي من الطرازات الحديثة التي دخلت مسرح العمليات مؤخراً، ويُعتقد أن مصدرها دولة الإمارات التي وُجهت لها اتهامات متكررة بدعم الدعم السريع بالسلاح والذخيرة، وحتى بالخبراء والتكنولوجيا العسكرية.
في تقرير سابق صدر عن لجنة خبراء مجلس الأمن في 2023، وُثقت خطوط الإمداد الإماراتية التي تمر عبر ليبيا وتشاد إلى دارفور، ما يكشف حجم التورط الإماراتي في دعم الحرب في السودان. ومع ذلك، تواصل أبوظبي التنصل من مسؤولياتها، متذرعة بأنها “تدعم الاستقرار في السودان”، في حين أن الوقائع على الأرض تثبت العكس تمامًا.
جريمة حرب واستهداف ممنهج للمدنيين
استهداف محطة كهرباء مدنية تؤمن الطاقة لملايين المواطنين، ووقوع ضحايا من النازحين غير المشاركين في النزاع، لا يمكن وصفه إلا بجريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. وتنص المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على أن “الأعيان المدنية لا يجوز أن تكون هدفًا للهجمات”، وأن “الهجمات العشوائية التي تصيب المدنيين والبنية التحتية بشكل غير مبرر تعتبر خرقًا للقانون الدولي”.
وتتزايد الدعوات الحقوقية لتوسيع التحقيقات الدولية، وتوثيق هذا الحادث وغيره من الهجمات التي تستهدف المدنيين، وتقديم المتورطين فيها إلى العدالة. ويطالب ناشطون سودانيون بأن يشمل التحقيق الأممي في جرائم الحرب بدارفور، الجرائم المرتكبة في نهر النيل وعطبرة، خاصة في ظل تكرار حوادث الاستهداف غير المبرر لمناطق النزوح المدني.
في ذات السياق، أكد متحدث باسم هيئة محامي دارفور، أن القصف يمثل “نقطة تحول خطيرة”، قائلاً إن “مليشيا الدعم السريع تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وها هي الآن تستهدف المدنيين الذين فرّوا من الموت، لتقتلهم في أماكن نزوحهم، وهذه سياسة إبادة وترويع بامتياز”.
انقطاع الكهرباء.. أزمة إنسانية جديدة
علاوة على الخسائر البشرية، خلف القصف أزمة معيشية جديدة، حيث تسبب تدمير محطة كهرباء عطبرة في انقطاع شامل للتيار الكهربائي عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر، ما يهدد بإيقاف المستشفيات، وانعدام التبريد في المناطق الحارة، وقطع المياه عن آلاف الأسر.
وأفادت مصادر محلية أن تعذر إصلاح المحطة في الوقت الراهن سيؤدي إلى أزمة وقود لتشغيل المولدات الاحتياطية في العديد من المؤسسات الحيوية.
وتأتي هذه الكارثة في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، حيث يحتاج أكثر من 25 مليون شخص للمساعدات الإنسانية، بينما يعاني الاقتصاد من الانهيار، والخدمات الأساسية من الشلل الكامل، في ظل استمرار الحرب وغياب أي أفق للحل السياسي.
حرب بلا قواعد وجرائم بلا عقاب؟
الهجوم على محطة كهرباء عطبرة ليس حادثًا عرضيًا، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع، والتي تستهدف بها المدنيين، ومصادر رزقهم، ومرافق حياتهم الأساسية، بهدف فرض سيطرتها وتركيع من يعارضها.
وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن التهاون مع هذه الجرائم لن يؤدي إلا إلى تكرارها، وأن الدعم الصامت أو المكشوف لبعض الأنظمة، وعلى رأسها الإمارات، يجب أن يُواجَه بوضوح وحزم.
فهل سيتحرك العالم لمحاسبة المتورطين في قتل النازحين الأبرياء؟ أم أن أرواح السودانيين ستظل تُزهق في صمت، تحت جناح طائرات مسيّرة بلا ضمير؟
اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي.. “الدعم السريع” ترتكب مجازر وتحرق طائرات بمطار الخرطوم