في تصعيد خطير يعكس طبيعة المرحلة الجديدة من المواجهة، وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الهجمات التي طالت مستشفيات ومدارس داخل طهران بأنها “انتهاك صارخ لجميع المبادئ الإنسانية”، مؤكداً أن استهداف المرضى والأطفال ليس مجرد ضربة عسكرية، بل “هجوم مباشر على حياة ومستقبل الأمة”.

جاءت تصريحات بزشكيان في وقت تتسع فيه رقعة العدوان الذي تشنه إسرائيل والولايات المتحدة منذ أيام، والذي تجاوز الأهداف العسكرية ليطال البنية التحتية المدنية، بما في ذلك مستشفى غاندي الشهير في العاصمة الإيرانية، والذي خرج بالكامل عن الخدمة بعد تعرضه لقصف جوي مكثف.

الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت أظهرت دمارًا واسعًا في المبنى المكون من 17 طابقًا، حيث تضررت غرف العمليات ووحدات العناية المركزة والمعدات الطبية الحيوية، فيما اضطر الطاقم الطبي إلى نقل ما تبقى من أجهزة إلى مستشفيات أخرى وسط حالة من الفوضى والضغط الهائل. كما لحقت أضرار بالمباني المجاورة، بما فيها منشآت إعلامية، ما يعزز اتهامات طهران بأن الهجمات لم تراعِ أي معايير تتعلق بحماية المدنيين.

اتهامات بجرائم حرب.. وإصرار على عدم الصمت

بزشكيان شدد في تغريدته على منصة “إكس” أن الجمهورية الإسلامية “لن تصمت ولن تستسلم أمام هذه الجرائم”، في إشارة مباشرة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تتهمهما طهران بشن عدوان واسع النطاق أسفر عن مقتل المئات، بينهم المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين.

وأعلن رئيس نقابة الأطباء الإيرانية محمد رئيس زاده أن عشرة مستشفيات ومراكز إسعاف تعرضت للاستهداف، موضحاً أن مستشفى غاندي يضم مركزًا لعلاج أطفال الأنابيب وبنكًا للأجنة، ما يجعل القصف، وفق تعبيره، “جريمة مزدوجة بحق المرضى والأطفال الذين لم يولدوا بعد”.

هذا الخطاب يعكس محاولة إيرانية واضحة لتأطير الهجمات في سياق قانوني وأخلاقي دولي، عبر توصيفها كجرائم حرب وانتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف. كما يسعى إلى تعبئة الرأي العام الداخلي والدولي ضد ما تصفه طهران بـ”العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك”، خاصة في ظل صمت دولي اعتبرته طهران تواطؤًا غير مباشر.

تعبئة داخلية وخطة طوارئ حكومية

في موازاة التصعيد العسكري، كلف بزشكيان جميع الوزراء ورؤساء المؤسسات التنفيذية بتقديم “خدمات متكاملة ومتواصلة للجمهور”، ومنحهم الصلاحيات الكاملة لمواجهة آثار الحرب. ويعكس هذا التوجيه إدراكًا رسميًا بأن المواجهة قد تطول، وأن إدارة الجبهة الداخلية ستكون عنصرًا حاسمًا في قدرة الدولة على الصمود.

المواطنون في طهران يعيشون حالة من الترقب والغضب. أمير، أحد السكان القاطنين قرب مستشفى غاندي، عبّر عن سخطه من استهداف منشأة طبية، مطالبًا الجيش الإيراني برد سريع “يوازي حجم الدم المسفوك”. هذا المزاج الشعبي قد يشكل ضغطًا إضافيًا على القيادة الإيرانية لتصعيد الرد، خاصة بعد سقوط شخصيات بارزة في القصف الأول.

حرب إقليمية تتوسع.. والخليج في قلب العاصفة

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دخلت يومها الرابع، لكنها لم تعد مقتصرة على الأراضي الإيرانية أو الإسرائيلية. لبنان أعلن دخوله رسميًا على خط المواجهة، فيما وسعت إيران نطاق ضرباتها لتشمل أهدافًا في السعودية بشكل معلن، في رسالة واضحة بأن أي دولة توفر غطاءً أو تسهيلات لواشنطن وتل أبيب ستكون ضمن بنك الأهداف.

وتتهم طهران بعض دول الخليج بـ”الخضوع للإملاءات الأمريكية” والسماح باستخدام أجوائها أو قواعدها في العمليات العسكرية، وهو ما تعتبره إيران مشاركة فعلية في العدوان. في المقابل، تسعى هذه الدول إلى احتواء التداعيات الأمنية والاقتصادية، لكن التصعيد المستمر يجعل المنطقة بأسرها على حافة انفجار واسع.

إسرائيل والولايات المتحدة تبرران عملياتهما بأنها تستهدف “تفكيك البنية العسكرية الإيرانية”، إلا أن استهداف المستشفيات والمراكز المدنية يضع هذا الخطاب موضع تشكيك واسع، ويعزز السردية الإيرانية بأن ما يجري هو محاولة لكسر إرادة الدولة عبر ضرب مجتمعها المدني.

بين الردع والانتقام.. أي أفق للصراع؟

السؤال المطروح الآن لا يتعلق فقط بمدى قدرة إيران على الرد، بل بطبيعة هذا الرد وحدوده. فقد أطلقت طهران بالفعل صواريخ وطائرات مسيّرة نحو أهداف إسرائيلية وأمريكية في المنطقة، ما أدى إلى سقوط قتلى وإصابة مدنيين وتضرر منشآت حساسة. ومع كل ضربة، تتقلص المسافة بين حرب محدودة وصدام إقليمي شامل.

خطاب بزشكيان يعكس تحولًا من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة المواجهة المفتوحة. فالتعهد بعدم الصمت، مقرونًا بإجراءات تعبئة داخلية، يوحي بأن طهران تستعد لمعركة طويلة، تعتبرها “حربًا مفروضة” عليها. في المقابل، تبدو واشنطن وتل أبيب ماضيتين في استراتيجية الضغط الأقصى، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال المنطقة بأكملها.

في ظل هذا المشهد، تصبح المستشفيات والمدارس رمزًا لمعركة تتجاوز الجغرافيا والسياسة، لتطال جوهر القيم الإنسانية. وإذا استمر استهداف الأعيان المدنية، فإن الحرب لن تبقى مجرد صراع عسكري، بل ستتحول إلى اختبار أخلاقي وقانوني للمجتمع الدولي، الذي يقف حتى الآن موقف المتفرج.

وبينما تتصاعد أعمدة الدخان من طهران ومدن أخرى، يتأكد أن المنطقة دخلت مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، وأن قرار إشعال هذه الحرب – الذي تتهم إيران إسرائيل والولايات المتحدة باتخاذه – لن يمر دون تداعيات عميقة قد تعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

اقرأ أيضًا : سقوط مقاتلات أمريكية في الكويت يكشف هشاشة العدوان على إيران ويصعّد المواجهة الإقليمية