كثّف الجيش السوداني قصفه الجوي على مواقع قوات الدعم السريع في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، في تصعيدٍ يُعيد تسليط الضوء على خطورة المعركة التي تشهدها مناطق غرب السودان منذ أكثر من عام. 

وقالت مصادر إن الغارات الجوية التي نفذها الطيران الحربي السوداني ليل السبت وفجر الأحد، استهدفت مواقع تابعة لقوات الدعم السريع داخل المدينة وفي أطرافها الشرقية، شملت فندقًا، وحدة طبية، ومرافق عسكرية. 

كما أكد شهود عيان لوكالة الصحافة الفرنسية أن ثلاث طائرات مسيّرة شاركت في الهجوم، ما يُشير إلى تطور نوعي في الأسلحة المستخدمة.

ويُنظر إلى نيالا باعتبارها من أهم معاقل قوات الدعم السريع في دارفور، وتحتضن مطارًا يُستخدم كقاعدة لوجستية رئيسية لهم. 

وقد سبق أن تعرض هذا المطار في مايو الماضي لغارات مشابهة أسفرت عن تدمير مخازن أسلحة وعتاد ثقيل. 

التصعيد الأخير يأتي بالتزامن مع تصريحات رئيس الوزراء السوداني الجديد كامل إدريس، الذي اعتبر في أول خطاب رسمي له أن أولوية حكومته هي “القضاء التام على التمرد والمليشيات”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع التي باتت تُسيطر على مساحات واسعة من الإقليم، بدعمٍ خارجي واضح، لا سيما من الإمارات.

انهيار صحي شامل وتحذير من وباء قاتل

بينما تتساقط القنابل على رؤوس المدنيين في دارفور، يواجه سكان نيالا كارثة صحية تهدد حياتهم بصمت. فقد أعلنت وزارة الصحة المحلية في مؤتمر صحفي عن تسجيل 65 حالة إصابة بمرض الكوليرا، توفي منهم أربعة، وسط توقعات بارتفاع عدد الإصابات مع غياب الإجراءات الوقائية وشُحّ الأدوية. وناشدت الوزارة المنظمات الإنسانية والدولية بسرعة التدخل لاحتواء المرض قبل أن يتحول إلى وباء شامل.

الظروف الصحية الكارثية تُعد نتيجة طبيعية لانهيار البنية التحتية في المدينة التي تُعاني منذ شهور من حصار، شح في المياه النظيفة، توقف خدمات الصرف الصحي، وانعدام سبل النظافة العامة.

ويُفاقم انتشار الكوليرا النزوح الكبير من مناطق الاشتباكات، حيث يعيش آلاف المواطنين في مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ومع غياب دور حقيقي لوزارات الدولة، باتت الاستجابة تعتمد على جهود متقطعة من متطوعين أو منظمات دولية تواجه بدورها صعوبات في الوصول إلى دارفور بسبب انعدام الأمن.

الإمارات والتمرد.. الدور المفضوح في تفتيت السودان

لا يمكن فهم ما يجري في نيالا ودارفور بمعزل عن الدور الخارجي الذي يُغذي الصراع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع. 

فبحسب تقارير دولية وتحقيقات نشرتها جهات إعلامية غربية، تُتهم الإمارات بتقديم مساعدات مالية وعسكرية لقوات “حميدتي” ضمن استراتيجية لإضعاف الجيش السوداني وتفتيت الدولة. 

وقد شملت هذه المساعدات طائرات مسيرة، أسلحة نوعية، وتمويلات ضخمة نُقلت عبر مطارات في ليبيا وتشاد، وفق شهادات لقادة ميدانيين وضباط منشقين.

تسعى أبو ظبي من خلال هذا الدعم إلى فرض واقع سياسي جديد في السودان، يُشبه نموذج “الحكم بالوكالة” الذي استخدمته في اليمن وليبيا. 

غير أن الثمن في السودان باهظ، إذ قُتل الآلاف، ونُزح أكثر من 10 ملايين شخص داخليًا وخارجيًا، فيما باتت ولايات مثل دارفور، النيل الأبيض، والخرطوم أشبه بمناطق منكوبة لا تخضع لأي سلطة حقيقية. فالإمارات تدعم ميليشيات لا تملك مشروعًا وطنيًا، بل تسعى للسيطرة على الثروات السودانية – من الذهب إلى الموانئ – وفرض أمر واقع يخدم مصالحها في البحر الأحمر وأفريقيا.

ويأتي خطاب رئيس الوزراء السوداني الجديد في توقيت حساس، ليعكس إدراك السلطة الانتقالية لخطورة هذا المشروع. 

لكن القضاء على التمرد لن يتحقق بالتصريحات وحدها، بل يحتاج إلى توحيد الصف المدني-العسكري، ووقف الدعم الخارجي للميليشيات، وفرض عقوبات دولية على الجهات التي تساهم في استمرار الحرب.

خاتمة تحليلية: مستقبل السودان على المحك

بين القصف العسكري وتفشي الأوبئة، يدفع سكان نيالا ودارفور ثمناً مضاعفاً لصراعٍ لا يبدو أن نهايته قريبة. فبينما يسعى الجيش لاستعادة السيطرة على الأرض، تُمعن قوات الدعم السريع – المدعومة إماراتياً – في ترسيخ سلطتها الميدانية على حساب أرواح المدنيين. 

وفي غياب موقف دولي حاسم لوقف تمويل هذا التمرد، فإن السودان يظل في مهب التفكك والفوضى. وحده توافق سياسي داخلي حقيقي، يقطع الطريق أمام مشاريع التقسيم والتبعية، قادر على إنقاذ البلاد من مصير ليبيا واليمن. وحتى ذلك الحين، تبقى نيالا نموذجًا مأساويًا لدولة يُراد لها أن تسقط من الداخل.

اقرأ أيضًا : بغطاء إماراتي.. الدعم السريع يهاجم بورتسودان بطائرات مسيّرة والجيش يتصدى