أحال القصف المكثّف والممنهج الذي تشنه ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً على مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، كثيراً من منازل المواطنين والمنشآت الخدمية أثراً بعد عين، متسبباً في سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتدمير البنى التحتية الحيوية، وذلك في إطار مساعيها المتواصلة للسيطرة على المدينة الإستراتيجية. ورصدت التقارير الميدانية صوراً مأساوية لبيوت هدمتها مسيَّرات الميليشيا فوق رؤوس ساكنيها؛ حيث أكد شهود عيان أن المقذوفات دمرت عدداً من المنازل وقتلت 7 الأشخاص في حي سكني واحد خلال الأيام الماضية.

ولم يتوقف استهداف الميليشيا عند هدم منازل المواطنين، بل امتد بشكل مباشر لقصف مصادر المياه النظيفة، ومحطات توليد الكهرباء الرئيسية، ومخازن المنطقة الصناعية ومصانع إنتاج الغذاء؛ ما أدى إلى خروج منشآت حيوية عن الخدمة وتراجع حاد في خدمات الصحة والتعليم والمواصلات والمياه.

*تعبيرية* قصف نفذته قوات الدعم السريع لمنشآت طبية في مدينة الأبيض

استهداف ممنهج لمصانع الغذاء ومحطات الطاقة وتكتسب مدينة الأُبيّض أهمية بالغة تجعلها هدفاً مستمراً لغرف عمليات الميليشيا المتمردة، التي تعتمد سياسة “الأرض المحروقة” لتجويع المدنيين وإجبارهم على النزوح قسرياً. وفي هذا السياق، باغتت 4 مسيرات انقضاضية مصنعاً لزيوت الطعام لا تتجاوز مساحته الألف متر خلال ساعات العمل، ما أسفر عن مجزرة بشرية قُتل فيها 6 عمال -نصفهم من النساء- إلى جانب مقتل زوجة أحد العمال القاطنين بجوار المصنع، فضلاً عن تحويل مخازن المنطقة الصناعية بالأبيض إلى ركام بفعل القذائف بعيدة المدى.

وطال القصف المدفعي والجوي الموجه طوال الأسابيع الماضية نحو 13 محطة وقود في مدينتي الأبيض والرهد، إلى جانب استهداف الأسواق الشعبية المكتظة والمستشفيات والمدارس ومركبات النقل المدني، مما ضاعف من وطأة المعاناة اليومية ودفع بآلاف السكان إلى النزوح هرباً من الموت بدم بارد.

تطابق المؤشرات مع محرقة الفاشر وتحذيرات حقوقية وتكمن الخطورة الإستراتيجية والإنسانية لتطورات الأوضاع في الأبيض بناءً على المعطيات والتقارير الدولية الموثقة في المحاور التالية:

  • حصار خانق ومجازر متصاعدة: مع دخول حصار ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً للأبيض شهره الـ18، أكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان مقتل 45 شخصاً خلال يونيو/حزيران الماضي وحده بضربات المسيرات، بينما تجاوز إجمالي الضحايا المدنيين في إقليم كردفان 880 قتيلاً جراء القصف الجوي والمدفعي المتواصل.

  • إعدامات ميدانية وعنف جنسي: أطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، صيحة إنذار من جنيف تحذر من فظائع ميدانية موثقة ترتكبها الميليشيا ضد الفارين، تشمل الإعدامات الميدانية والتصفية الجسدية والعنف الجنسي على طرق نزوح المدنيين.

  • شبح “سيناريو الفاشر” الدامي: تجمع التحذيرات الأممية على أن المؤشرات الميدانية الحالية في الأبيض تتطابق تماماً مع الأيام التي سبقت سقوط مدينة الفاشر بشمال دارفور؛ والتي شهدت محرقة بشرية راح ضحيتها ما لا يقل عن 6 آلاف شخص في غضون 3 أيام فقط، في فظائع صنفتها الأمم المتحدة كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شملت قتلاً عشوائياً وتجويعاً منظماً.

ويأتي هذا الاستهداف المستمر للبنية التحتية في السودان ليضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي؛ في وقت تتسارع فيه التحركات الدبلوماسية الغربية بقيادة بريطانيا لاستصدار قرار أممي من مجلس الأمن يفرض هدنة إنسانية عاجلة لإنقاذ المدينة من مقصلة الإبادة، وتفكيك بؤر الإرهاب التي تقودها الميليشيا لتفتيت الدولة السودانية ونهب ثرواتها وتشريد مواطنيها.