في خطوة غير مسبوقة داخل أوروبا، فتحت النيابة العامة في العاصمة الإيطالية روما تحقيقًا رسميًا في الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل ضد نشطاء “أسطول الصمود العالمي”، الذين اعتقلتهم بعد الهجوم على سفنهم الإنسانية في المياه الدولية مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ووفقًا لوكالة الأنباء الإيطالية “أنسا”، فقد تلقّت النيابة شكاوى تفصيلية من 36 ناشطًا إيطاليًا كانوا على متن الأسطول الذي انطلق لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، متهمةً إسرائيل بارتكاب سلسلة من الجرائم الخطيرة، من بينها التعذيب، القرصنة البحرية، احتجاز الحرية بشكل غير قانوني، وسوء المعاملة الجسدية والنفسية.
وأفادت التقارير أن الفريق القانوني للمشاركين في الأسطول قدّم أدلة مصوّرة وشهادات موثقة تؤكد تعرض النشطاء لهجوم بطائرات مسيّرة إسرائيلية أثناء إبحارهم في عرض البحر، قبل أن تصعد القوات الخاصة الإسرائيلية إلى السفن وتعتقلهم بالقوة مستخدمة الرصاص المطاطي والصواعق الكهربائية، في مشهد أعاد للأذهان حادثة “أسطول الحرية” عام 2010 الذي قتل فيه الجيش الإسرائيلي عشرة نشطاء أتراك.

جرائم موثقة وملف شكاوى ثقيل ضد إسرائيل
من بين أبرز المشتكين الناشط الإيطالي توني لا بيتشيريلا، الذي قال في إفادته أمام النيابة الإيطالية إنه تعرض للتعذيب والضرب المبرح أثناء احتجازه في قاعدة عسكرية إسرائيلية، مشيرًا إلى أن قوات الاحتلال أجبرته على الوقوف لساعات طويلة تحت الإضاءة القوية والحرمان من الماء والنوم.
وأكد لا بيتشيريلا أن احتجاز السفن الإنسانية يمثل “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ولاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، مشددًا على أن ما جرى “ليس حادثًا عرضيًا بل سياسة ممنهجة لترويع النشطاء ومنعهم من كسر الحصار عن غزة”.
وتتضمن الشكاوى المقدمة إلى النيابة الإيطالية تهمًا متعددة ضد إسرائيل، تشمل:
-
محاولة القتل المتعمد أثناء الهجوم الجوي على السفن.
-
إحداث حادثة بحرية متعمدة تهدد أمن الملاحة الدولية.
-
القرصنة واختطاف المدنيين في المياه الدولية.
-
سوء المعاملة والتعذيب أثناء الاحتجاز.
-
الاحتجاز غير القانوني دون مذكرات أو تهم محددة.
وتشير مصادر قانونية إلى أن التحقيق الإيطالي قد يمتد ليشمل مسؤولين إسرائيليين كبارًا، في حال ثبوت صدور أوامر مباشرة بالهجوم من مستويات عليا في الجيش أو الحكومة.
بطولة “أسطول الصمود”: إرادة إنسانية في وجه الحصار
“أسطول الصمود العالمي” الذي أبحر من موانئ أوروبية في سبتمبر الماضي، لم يكن سوى رمزٍ للمقاومة المدنية العالمية ضد الحصار الإسرائيلي على غزة.
حمل النشطاء على متنه أدوية ومواد غذائية ومعدات طبية مخصصة للأطفال والمرضى في القطاع، وأكدوا منذ البداية أن مهمتهم إنسانية سلمية بالكامل، تهدف إلى كسر العزلة عن مليوني فلسطيني يعيشون ظروفًا مأساوية بسبب الحصار.
لكن إسرائيل، التي تخشى الرمزية المتزايدة للأساطيل التضامنية، هاجمت السفن في عرض البحر الأبيض المتوسط قبل دخولها المياه الإقليمية الفلسطينية، لتثبت مجددًا – بحسب مراقبين – أنها لا تتردد في تجاوز القانون الدولي حين يتعلق الأمر بفرض هيمنتها العسكرية على غزة.
ورغم الهجوم والاعتقال، أظهر النشطاء شجاعة نادرة خلال التحقيقات والاحتجاز، إذ رفضوا التوقيع على وثائق تجرّمهم أو تعترف بـ”شرعية” السيطرة الإسرائيلية على السفن. بعضهم دخل في إضراب عن الطعام، وآخرون وثّقوا الانتهاكات بتسجيلات سرية نقلوها إلى محاميهم بعد الإفراج عنهم.
وقالت الناشطة الإيطالية مارتا روسيني، إحدى المشاركات في الأسطول:
“كنا نعرف أن الطريق إلى غزة ليس سهلًا، لكننا لم نتخيل هذا القدر من الوحشية. تعرضنا للتهديد والإهانة، لكننا لم نتراجع لأننا نحمل قضية عادلة، قضية الأطفال المحاصرين في غزة”.
ردود دولية وتداعيات محتملة
فتح التحقيق الإيطالي يُعد، بحسب خبراء القانون الدولي، سابقة قضائية أوروبية قد تشجع دولًا أخرى على تحريك دعاوى مماثلة ضد إسرائيل، خاصة بعد تزايد الأدلة على انتهاكها للاتفاقيات البحرية الدولية واستخدامها القوة المفرطة ضد مدنيين في المياه المفتوحة.
ويرى المراقبون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية محاسبة قانونية أوروبية لإسرائيل خارج إطار مجلس الأمن، خصوصًا في ظل شلل المؤسسات الدولية بسبب الفيتو الأمريكي المتكرر.
من جهتها، لم تصدر تل أبيب أي تعليق رسمي على التحقيق الإيطالي حتى الآن، بينما اكتفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية بالقول إن “الأسطول كان محاولة غير قانونية لدعم منظمة إرهابية”، في إشارة إلى حركة حماس، وهو ما اعتبره ناشطون محاولة لتشويه الطابع الإنساني للمهمة.
خاتمة: معركة القانون في مواجهة القمع
بينما تواصل إسرائيل احتجاز سفن المساعدات وتستهدف كل من يحاول كسر حصار غزة، يفتح التحقيق الإيطالي نافذة أمل جديدة أمام نشطاء “أسطول الصمود” الذين حملوا رسالة الحرية بأجسادهم قبل سفنهم.
إنه اختبار حقيقي لقدرة العدالة الأوروبية على الدفاع عن مبادئها، ولشجاعة هؤلاء النشطاء الذين واجهوا الرصاص من أجل إنقاذ حياة من يعيشون تحت الحصار.
وبينما تتجه الأنظار إلى روما، تبقى بطولة “أسطول الصمود” عنوانًا لعصرٍ جديد من التضامن الإنساني الذي لا يعرف حدودًا، ورسالة واضحة لإسرائيل بأن زمن الإفلات من العقاب بدأ يقترب من نهايته.
اقرأ أيضًا : جريمة الاحتلال تتواصل: 288 ألف أسرة مشردة في غزة بحاجة إلى إيواء عاجل وسط دمار شامل