في خطوة أثارت موجة من الاستغراب والانتقادات، تحولت قمة الرياض التي كان من المفترض أن تكون منصة لحل الأزمة الفلسطينية إلى لقاء أخوي ودّي، يخفي وراء مظهره الرسمي مؤامرة سياسية تهدف إلى تحميل حركة حماس مسؤولية فشل الدول العربية في مواجهة التحديات الإقليمية والإسرائيلية.

ففي 21 فبراير، جمعت العاصمة السعودية الرياض قادة دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر في لقاء دعا إليه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لبحث موقفهم من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنقل سكان قطاع غزة إلى دول مثل مصر والأردن، إلا أن اللقاء كان يفتقر إلى الوجوه الفلسطينية الحقيقية، مما يعكس انسحاب الفلسطينيين من مائدة الحوار.

منذ البداية بدا أن اللقاء لم يكن سوى تمهيد لقمة عربية طارئة مقررة في مصر في 4 مارس، حيث قال مصدر سعودي مسؤول إن الاجتماع اليومي هو “لقاء أخوي غير رسمي” داخل جدول أعمال القمة المقبلة. 

إلا أن ما يُخفي وراء هذا التصريح الرسمي هو محاولة ممنهجة من قبل الحكام العرب لإقصاء حماس، التي طالما اعتُبرت من قبلهم العائق الوحيد في تحقيق وحدة الصف الفلسطيني أمام التحديات الإقليمية، وتحويل النقاش عن القضية الفلسطينية إلى مسألة تحمل كامل مسؤولية المقاومة على عاتقها.

https://x.com/amrwaked/status/1892991035325714484/photo/1

تجاهل الفلسطينيين وتهميش المقاومة

تجلى التناقض في هذا اللقاء حين غاب حضور ممثلي الفلسطينيين سواء من السلطة الوطنية أو من الفصائل المختلفة، مما أثار تساؤلات عن مدى صدقية الموقف العربي الحقيقي تجاه القضية الفلسطينية. 

فكيف يمكن تناول مستقبل الفلسطينيين بدون صوتهم الحقيقي؟ فهو يُعدّ أمرًا غير مفهوم وغير مسبوق، وكأنه خطوة تبريرية لعدم دعوة الجانب الفلسطيني إلى مائدة الحوار، مما يُفضي إلى تحميله مسؤولية فشل الموقف العربي.

وفي نفس السياق، تبرز تساؤلات حول مقترح القاهرة، الذي يتضمن تشكيل لجنة فلسطينية لحكم قطاع غزة دون مشاركة حماس، بالإضافة إلى المضي قدمًا نحو حل الدولتين. 

فالمقترح لا يعد إلا محاولة لتفريغ حماس من أي دور سياسي وإداري في القطاع، مما يدعم الرؤية التي تروج لها بعض الدول العربية بأن الحركة الفلسطينية الكبرى هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن استمرار الأزمة.

قمة تحولت إلى منصة للاتهام والتأمر

يبدو أن قمة الرياض ليست سوى مسرحية سياسية تخفي وراءها تحالفات سرية تستهدف تضليل الرأي العام وإلقاء اللوم على المقاومة الفلسطينية.

إذ تتجه الحكومات العربية إلى تحميل حماس مسؤولية كل إخفاق في مواجهة إسرائيل، رغم أن هناك جهات عربية عدة تقصر في الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، خاصة فيما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية المتفق عليها.

في الواقع، يتضح من الأحاديث المتداولة أن اللقاء لم يكن إلا جلسة قهوة وعشاء بدلاً من قمة رسمية تتضمن مقترحات عملية. 

وفي ظل هذا السياق، تنسج التحالفات الخفية بين بعض الحكام العرب لتعزيز موقفهم السياسي، عبر اتخاذ خطوات تدريجية تهدف إلى عزلة حماس، التي تُعدّ رمزًا للمقاومة الفلسطينية، وتحويلها إلى كبش فداء تُحمّل مسؤولية الانقسامات الداخلية والجهود العربية الضائعة.

ومن المؤكد أن الخطاب العربي الذي يبرز التماهي مع المشروع المصري الجديد ليس إلا وسيلة لتبرير الخطوات التي تُتخذ ضد المقاومة. فبدلاً من دعم الجهود الوطنية الموحدة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، يلجأ الحكام إلى التآمر على حماس، متهمين إياها بأنها العائق الأساسي في طريق تحقيق الحل الشامل لقضية غزة.

تصريحات عمرو أديب وتأكيد على التآمر

وتدخل الإعلاميات الكبرى في الساحة السياسية في مثل هذه اللحظات لتسليط الضوء على الانقسامات الداخلية، فقد صرح الإعلامي عمرو أديب بما لا يدع مجالاً للشك:

“حماس هي العائق الوحيد في موضوع غزة.. وحماس قالت سترحل ولن تترحل.. موقفهم واضح لا حماس”

هذا التصريح، الذي تداوله الإعلام على نطاق واسع، يعكس بوضوح الموقف المصري الذي يتماشى مع جهود تأطير حماس كجهة معيقة لتحقيق أي تقدم في الملف الفلسطيني.

وفي اليوم التالي، شهدت التصريحات تزايدًا في حدة الخطاب العربي الذي يحاول رسم حدود واضحة بين الموقف الرسمي الذي تعتمده الدول وبين الحقيقة الواقعية على الأرض، حيث تستمر المقاومة في لعب دورها رغم الضغوط المتزايدة.

الخيانة العربية ومآسي المقاومة

إن ما يحدث في قمة الرياض لا يمثل سوى مرحلة أخرى في سلسلة من الخيانات العربية التي طالما أدت إلى تفكيك الصف الفلسطيني، وهو أمر يفسره العديد من المحللين السياسيين بأن الحكام العرب يسعون من خلال مثل هذه اللقاءات إلى تحميل المسؤولية عن الأزمة بالكامل لحماس، في حين أنهم هم من يقفون وراء الإخفاق في رسم استراتيجية موحدة وفعّالة لمواجهة التحديات الإسرائيلية.

فبينما يظل الشعب الفلسطيني يعاني من التهجير والاحتلال والاستيطان، تتباين مواقف الدول العربية التي لم تعد تُظهر استعدادًا حقيقيًا للوقوف إلى جانب المقاومة، بل تسعى إلى تقديم نفسها كجهة مفاوضة فقط في إطار مبادرات مُسبقة الصنع. 

وفي هذا السياق، يُعتبر مقترح إعادة إعمار غزة الذي يُناقش اليوم ليس إلا تمهيدًا لتحميل حماس مسؤولية الفشل العربي في مواجهة إسرائيل، وهو ما قد يُثقل كاهل الحركة ويدفعها نحو مزيد من العزلة السياسية.

مستقبل المقاومة تحت وطأة الخيانة

وفي خضم هذه المشاهد، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يتجه مستقبل القضية الفلسطينية والمقاومة في ظل هذا التآمر العربي المتفق على خيانة حماس؟ فبينما تستمر إسرائيل في الانتهاكات وإهمال إدخال المساعدات، يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين دول لا تتبنى موقفًا موحدًا حقيقيًا.

إن قمة الرياض، التي كانت تبدو في ظاهرها منصة للحوار، تحولت إلى مناسبة لتبرير إخفاقات الحكام العرب وإلقاء اللوم على حماس، مما يترك مستقبل المقاومة في مهب الريح. 

وما يؤكد ذلك هو استمرار التصريحات التي تتهم الحركة بأنها المعيق الوحيد في ملف غزة، وهو ما يشير إلى أن الخيانة العربية ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم مصالح بعض الأطراف على حساب القضية الفلسطينية الشريفة.

اقرأ أيضًا : انفجارات تل أبيب تحت المجهر.. بين الفشل الاستخباراتي والتصعيد السياسي