وسط زخم إعلامي واسع، أطلق المكتب الوطني للإعلام في الإمارات قمة “بريدج” ومؤسسة “بريدج” غير الربحية، تحت شعار استشراف مستقبل الإعلام العالمي. هذه المبادرة التي تبدو في ظاهرها محاولة لتعزيز الابتكار والتطوير الإعلامي ليست سوى امتداد لنهج نظام محمد بن زايد في تلميع صورته عالميًا، في الوقت الذي تواصل فيه السلطات الإماراتية سياسات التضييق والقمع الممنهج ضد أي صوت حر يحاول كسر القيود المفروضة على حرية التعبير.

لا يمكن الحديث عن مستقبل الإعلام في الإمارات دون التوقف عند الواقع القاتم الذي يعيشه الصحفيون والناشطون والحقوقيون داخل الدولة وخارجها، حيث يواجهون رقابة صارمة، تهديدات، محاكمات جائرة، واختراقات إلكترونية ممنهجة تهدف إلى إسكاتهم. أبرز مثال على ذلك هو التجسس الذي تمارسه الإمارات عبر برنامج “بيغاسوس”، الذي تورطت في استخدامه ضد الصحفيين والمعارضين وحتى رؤساء دول. قضية الصحفية رانيا الدريدي، التي رفعت دعوى قضائية في بريطانيا ضد النظام الإماراتي بعد تعرض هاتفها للاختراق باستخدام “بيغاسوس”، ليست سوى واحدة من عدة قضايا كشفت كيف يوظف النظام أدواته التكنولوجية للتجسس على النشطاء. أما في قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي، فقد أثبتت تحقيقات دولية أن هاتفه كان مخترقًا ببرنامج “بيغاسوس” قبل اغتياله الوحشي في القنصلية السعودية في إسطنبول، وهو ما يثير التساؤلات حول الدور الإماراتي في مراقبة المعارضين وتعقبهم لصالح أنظمة قمعية أخرى.

بالإضافة إلى الاختراقات الإليكترونية والقرصنة، تورطت قناة “أبو ظبي” في فضيحة عالمية بعد بثها مقابلات تحت الإكراه مع مواطنين قطريين احتُجزوا في ظروف غير إنسانية وأُجبروا على الإدلاء باعترافات ملفقة تم تصويرها وبثها لاحقًا دون إرادتهم. حمد الحمادي، أحد المعتقلين، كان قد اعتُقل في عام 2014 أثناء دخوله الإمارات، حيث تعرض لاحتجاز تعسفي، واستجواب قاسٍ، وأشكال متعددة من الضغوط النفسية والجسدية لإجباره على الاعتراف بتهم ملفقة. وفي عام 2017، بثت قناة “أبوظبي” مقابلة مصورة معه، زعمت فيها أنه كان يعمل لصالح جهاز أمني قطري لتنفيذ عمليات ضد الإمارات، في حين أكدت التقارير الحقوقية أن الاعترافات انتُزعت تحت الإكراه.

أما في حالة الدكتور محمود الجيدة، فقد اعتُقل عام 2013 أثناء عبوره مطار دبي، حيث احتُجز لعدة أشهر دون محاكمة عادلة، قبل أن يظهر في مقابلة على قناة “أبوظبي” يقدم فيها اعترافات مماثلة، زُعم فيها أنه كان على اتصال بجماعات معارضة للنظام الإماراتي. غير أن مصادر حقوقية أكدت أنه تعرض لسوء المعاملة والتعذيب، مما يجعل هذه الاعترافات بلا أي مصداقية.

إدانة قناة “أبوظبي” لم تتوقف عند انتقادات الحقوقيين، بل وصلت إلى هيئة البث البريطانية (Ofcom)، التي تلقت شكاوى تفيد بأن المقاطع التي بثتها القناة الإماراتية تم الحصول عليها بوسائل غير قانونية، وأن المقابلات التي أُجريت مع المعتقلين القطريين كانت تحت الإكراه، وهو ما يخالف معايير البث المعتمدة في بريطانيا. وبعد تحقيق مطول، أصدرت Ofcom قرارًا رسميًا بإدانة القناة في نوفمبر 2020، معتبرةً أن ما بثته يعد انتهاكًا صارخًا لقوانين البث، كما أشارت إلى أنه يمثل إخفاقًا في احترام العدالة والإنصاف. وعلى إثر ذلك، تعرضت قناة “أبوظبي” لعقوبات شملت تغريمها ماليًا وتحذيرها من تكرار مثل هذه الانتهاكات، في خطوة أكدت مجددًا كيف توظف الإمارات وسائل إعلامها لتبرير ممارساتها القمعية ومحاولة إسكات المعارضين بأي وسيلة كانت.

كما كشف تحقيق استقصائي أوروبي أن الإمارات استعانت بشركة “ألب سيرفيسز” (Alp Services)، وهي شركة استخباراتية خاصة مقرها جنيف، لتنفيذ حملات تجسس وتشويه ضد أكثر من 1000 شخصية أوروبية من المسلمين، بينهم وزراء، و400 منظمة غير ربحية. وفقًا للتقارير، شملت هذه العمليات اختراق البيانات الشخصية، ونشر تقارير مفبركة، وإدارة حملات تضليل إعلامي في أوروبا لصالح النظام الإماراتي وضد النظام القطري. لم تقتصر أنشطة الشركة على الرصد وجمع المعلومات، بل امتدت إلى محاولات التأثير على صناع القرار ووسائل الإعلام من خلال بث روايات ملفقة تبرر القمع الذي تمارسه الإمارات داخليًا وخارجيًا. التحقيقات الجنائية التي فُتحت في فرنسا وسويسرا أكدت أن أنشطة “ألب سيرفيسز” كانت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تصفية المعارضين رقميًا وإعلاميًا، مما يسلط الضوء على استخدام الإمارات لوسائل غير قانونية لإسكات أي صوت معارض حتى خارج حدودها.

القيود على حرية التعبير لم تتوقف عند حدود الإعلام الرسمي، بل وصلت إلى ملاحقة الأفراد الذين يجرؤون على التعبير عن آرائهم عبر الإنترنت. عبد الرحمن يوسف القرضاوي، نجل الشيخ يوسف القرضاوي، لم يكن سوى مثال آخر على هذا القمع، حيث تم اعتقاله وتسليمه بشكل غير قانوني من لبنان إلى الإمارات بعد نشره مقطع فيديو ينتقد فيه دعم النظام الإماراتي لنظام بشار الأسد. هذه الواقعة كشفت مدى تنسيق الإمارات مع الأنظمة الأخرى لقمع المعارضين والتضييق عليهم، بغض النظر عن شرعية الإجراءات القانونية.

داخل السجون الإماراتية، يقبع العشرات من المعتقلين السياسيين الذين لم يكن “ذنبهم” سوى نشرهم لمحتوى ناقد للنظام. هؤلاء الأشخاص، الذين حاولوا ممارسة حقهم في حرية التعبير، يواجهون ظروف احتجاز قاسية، محاكمات غير عادلة، وعقوبات طويلة الأمد في ظل غياب أي رقابة دولية حقيقية. النظام الإماراتي، الذي يحاول تقديم نفسه على أنه راعٍ للإعلام الحديث، لم يسمح بأي شكل من أشكال الصحافة الحرة، بل يعاقب كل من يتجاوز الخطوط المرسومة سلفًا.

إلى جانب الاعتقالات والتضييق، تلجأ الإمارات إلى استراتيجيات أخرى لإحكام قبضتها على الإعلام، منها توظيف فرق القراصنة الإلكترونيين لشن هجمات ضد مواقع الصحف المستقلة أو اختراق حسابات الصحفيين والنشطاء. خلال السنوات الماضية، كشفت تقارير عديدة عن عمليات قرصنة ممنهجة تستهدف الأصوات المعارضة، في محاولة لإسكاتها أو تسريب معلومات شخصية عنها لابتزازها وتهديدها.

قمة “بريدج”، التي يروج لها النظام الإماراتي على أنها منصة لاستشراف مستقبل الإعلام، ليست سوى واجهة جديدة للتغطية على الانتهاكات الصارخة التي تمارسها الدولة ضد الإعلاميين والنشطاء. فبينما تعقد الجلسات الفاخرة لمناقشة “تحديات الإعلام”، يقبع المعارضون في السجون، وتخضع هواتف النشطاء للاختراق، وتبقى وسائل الإعلام المحلية مجرد أبواق للنظام، دون أن تجرؤ على نشر رأي مخالف أو تحقيق استقصائي يكشف الحقيقة.

ما يحاول النظام الإماراتي فعله هو تصدير صورة زائفة عن حرية الإعلام والانفتاح، بينما يواصل ترسيخ سياسات القمع وتكميم الأفواه. لكن رغم هذه المحاولات، يبقى الواقع واضحًا: لا إعلام حر في ظل نظام يلاحق الصحفيين، يتجسس على المعارضين، ويستخدم التكنولوجيا كسلاح لإسكات أي صوت لا يتماشى مع أجندته.