أثار قرار الجامعة الأمريكية في بيروت منع المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي من إلقاء محاضرة داخل حرمها موجة واسعة من الانتقادات، وفتح باب التساؤلات حول حدود الحريّات الأكاديمية في واحدة من أعرق الجامعات في المنطقة. الإدارة برّرت المنع بعدم “اجتياز إجراءات الامتثال”، وهو تعليل اعتبره كثيرون فضفاضًا، لا يرقى إلى مستوى الشفافية المطلوبة، ولا ينسجم مع الخطاب التاريخي الذي طالما قدّم الجامعة بوصفها مساحة مفتوحة للنقاش الحرّ وتبادل الأفكار.

محاضرة مُرحَّلة… ورسالة قاسية
كانت ألبانيزي قد تلقت دعوة رسمية من مركز بحثي أكاديمي معني بدراسة قضايا فلسطين، ومقره الجامعة، لإلقاء محاضرة حول التطورات الحقوقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن رفض الإدارة منح الإذن دفع إلى نقل المحاضرة إلى جامعة القديس يوسف. هذه الخطوة، وإن أنقذت الحدث من الإلغاء، حملت رسالة قاسية: المشكلة لم تكن في مضمون أكاديمي أو إطار بحثي، بل في المكان ذاته، وفي قرار مؤسسي يشي—وفق مراقبين—بانحياز سياسي واضح، أو على الأقل باستعداد للانصياع لضغوط خارجية.
سابقة تهزّ صورة الجامعة
يعدّ كثيرون ما جرى سابقة خطيرة في سجل الجامعة الأمريكية في بيروت. فالمؤسسة التي بنت سمعتها على تشجيع الحوار والنقد وتعدد الآراء، بدت وكأنها تتراجع خطوة كبيرة إلى الخلف. منع مقررة أممية من دخول الحرم لإلقاء محاضرة أكاديمية يضرب في الصميم مفهوم “الجامعة كمساحة آمنة للفكر”، ويحوّل شعار الحرية الأكاديمية إلى عبارة إنشائية قابلة للتعطيل متى ما تعارضت مع حسابات سياسية حساسة.
ألبانيزي… صوت حقوقي مُزعج
لا يمكن فصل قرار المنع عن مواقف ألبانيزي الصريحة من السياسات الإسرائيلية. ففي مطلع نيسان/أبريل 2025، حاولت إسرائيل، إلى جانب المجر والأرجنتين، عرقلة تجديد ولايتها لثلاث سنوات إضافية، غير أن 47 عضوًا في مجلس حقوق الإنسان منحوا المقررة الأممية ثقتهم. وخلال ولايتها، كرّست ألبانيزي حضورًا نشطًا في الفضاء العام، مسلطة الضوء على معاناة الفلسطينيين، ومؤكدة أن ما يجري يتجاوز الانتهاكات الفردية إلى سياسات ممنهجة. كما نشرت كتابًا بالإيطالية يوثّق شهادات وجروحًا من فلسطين، ما جعلها هدفًا دائمًا لحملات تشويه وضغوط سياسية.
الأونروا في قلب العاصفة
قبل أيام فقط من الجدل حول محاضرتها في بيروت، اتهمت ألبانيزي إسرائيل بشن هجوم ممنهج على منظومة الأمم المتحدة، ودعت إلى تعليق عضويتها وفرض عقوبات أممية عليها. واعتبرت أن هدم مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة يمثل تصعيدًا خطيرًا يستهدف المنظمة الدولية والشعب الفلسطيني في آن واحد. هذا الخطاب الصريح، الذي يربط بين الممارسات الميدانية والمسؤولية الدولية، يفسر—برأي متابعين—سبب الحساسية المفرطة تجاه حضور ألبانيزي في منابر أكاديمية مؤثرة.
ما وراء “الامتثال”
التذرع بإجراءات “الامتثال” يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات. ما طبيعة هذه الإجراءات؟ ومن يضع معاييرها؟ وهل تُستخدم بالتساوي مع جميع المتحدثين، أم تُفعَّل انتقائيًا حين يتعلق الأمر بأصوات تنتقد إسرائيل؟ غياب التوضيح الرسمي يغذّي الشكوك، ويعزز الانطباع بأن القرار سياسي بامتياز، حتى لو جرى تغليفه بلغة إدارية محايدة.
حرية أكاديمية على المحك
القضية تتجاوز شخص ألبانيزي، لتطال جوهر الدور الذي يفترض أن تلعبه الجامعات في المجتمعات العربية. حين تُمنع محاضرة داعمة لحقوق شعب واقع تحت الاحتلال، داخل مؤسسة أكاديمية في بيروت—المدينة التي لطالما قدّمت نفسها عاصمة للحريات—فإن ذلك يعكس تحوّلًا مقلقًا في ميزان الجرأة الفكرية. إنه تذكير بأن القمع لا يتخذ دائمًا شكل المنع الأمني الصريح، بل قد يأتي في صورة قرارات إدارية “نظيفة” تخنق النقاش بهدوء.
خاتمة مفتوحة على الأسئلة
في المحصلة، يبدو قرار الجامعة الأمريكية في بيروت أكثر من خطأ إداري عابر؛ إنه مؤشر على هشاشة الحرية الأكاديمية حين تصطدم بالسياسة. وبينما وجدت ألبانيزي منبرًا بديلًا لإلقاء محاضرتها، يبقى السؤال الأهم: أي جامعة نريد؟ مؤسسة تخشى الأصوات المزعجة، أم فضاءً شجاعًا يواجه الأسئلة الصعبة؟ الإجابة ستحدد ليس فقط صورة الجامعة، بل موقع الأكاديميا العربية في معركة الدفاع عن الحقيقة وحقوق الإنسان.
اقرأ أيضًا : محكمة تونسية تسجن صحفيَّين معارضَين في قضايا مالية وسط انتقادات حقوقية