عاد ملف حقوق الإنسان في مصر ليتصدّر المشهد الدولي مجددًا، بعد أن بلغ القمع مستويات غير مسبوقة دفعت قيادات إسلامية داخل السجون إلى الإضراب عن الطعام، ومحاولات متكررة للانتحار، وسط صمت رسمي مطبق.

عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين يواجهون ظروفًا مأساوية خلف القضبان، في مقدمتهم رموز بارزة من جماعة الإخوان المسلمين. وفي ظل هذا الانهيار الإنساني، تحرّك حقوقيون مصريون إلى بروكسل، لعرض هذه الانتهاكات أمام البرلمان الأوروبي ومقر الاتحاد الأوروبي، في محاولة لإحياء الضغط الدولي على نظام السيسي، الذي لا يزال يرفض أي إصلاح حقيقي أو مراجعة للممارسات الأمنية.

الوفد الحقوقي الذي توجه إلى بروكسل، بحسب الحقوقي محمود جابر، جاء ليعرض تفاصيل الانتهاكات في سجن بدر 3 والسجون الأخرى، حيث يُحرم المعتقلون من الزيارات والرعاية الصحية، ويُعزلون في زنازين انفرادية لسنوات، ما دفع بعضهم لمحاولة الانتحار، أو الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بأبسط حقوقهم الإنسانية، كرؤية أبنائهم أو تلقي العلاج.

محاولات انتحار وإضرابات عن الطعام.. أجراس خطر تتصاعد

التدهور الكبير في سجن “بدر 3″، القريب من العاصمة الإدارية الجديدة، بات نموذجًا مصغرًا للمأساة الحقوقية في مصر. 

فقد كشفت “الشبكة المصرية لحقوق الإنسان” عن محاولة أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، الدكتور عبدالله شحاتة، الانتحار بسجن بدر يوم 4 يوليو، بعد أن حُرم من الزيارة منذ 2018. لم تكن محاولة شحاتة استثناءً، بل كانت الرابعة خلال أسبوعين فقط في نفس القطاع.

القيادي البارز في الإخوان، الدكتور محمد البلتاجي، نُقل إلى المستشفى بعد أزمة صحية نتيجة إضراب عن الطعام بدأه مع قيادات أخرى، احتجاجًا على الحبس الانفرادي والتغريب ومنع الزيارات. 

كذلك دخل المعتقل أمين الصيرفي في إضراب كلي، رغم إصابته بكسور وجروح، بينما لم يتمكّن ذووه من التواصل معه منذ أكثر من عام. أما الدكتور صلاح سلطان، فتعاني حالته الصحية من تدهور خطير وسط تحذيرات من وفاة مفاجئة نتيجة غيبوبات متكررة ونزيف داخلي محتمل.

المشهد يزداد قتامة مع استمرار انضمام معتقلين جدد إلى الإضراب، مثل وزير الشباب الأسبق أسامة ياسين، ما يرفع عدد المضربين إلى 35 من أصل 58 معتقلًا في قطاع 2 من بدر 3، معظمهم من كبار السن. كما نُقل الطبيب أحمد عارف والدكتور محمود غزلان إلى المركز الطبي إثر مضاعفات صحية خطيرة. بل إن البعض حاول الانتحار مجددًا، مثل المعتقل أحمد شريف، دون أن تستجيب إدارة السجن أو تثبت ذلك رسميًا.

السيسي يواصل التجاهل.. والمجتمع الدولي متردد

رغم بشاعة المشهد، يتعامل نظام عبد الفتاح السيسي ببرود شديد، متجاهلًا كل النداءات الحقوقية، سواء المحلية أو الدولية. حتى المحكمة الجنائية الدولية، بحسب الناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، تتعامل مع جرائم إسرائيل في غزة ببرود مشابه، ما يعكس تواطؤًا دوليًا مع أنظمة تمارس القمع بذريعة “الحرب على الإرهاب”. ويرى أبو خليل أن استمرار هذا النظام يعود إلى وظيفته الأمنية: حماية الاحتلال الإسرائيلي من هجمات محتملة من سيناء، وقمع أي توجه ديمقراطي في المنطقة، خاصة من الإسلاميين.

ويؤكد أبو خليل أن “جواز مرور” النظام المصري لدى الغرب هو مزيد من القمع، والاعتقالات الجماعية، والإعدامات البطيئة، مستشهدًا باستشهاد الرئيس الأسبق محمد مرسي في محبسه، ووجود مرشحين رئاسيين ونواب برلمانيين في السجون منذ سنوات، دون محاكمات عادلة.

الأمل في تحرّك أممي حقيقي أم مسرحية دولية؟

من جانبه، عبّر الحقوقي محمد زارع عن قلقه من استمرارية هذا النهج، متسائلًا: “هل الدولة قررت تجاهل مطالب تحسين أوضاع المعتقلين؟”. رغم أن المجلس القومي لحقوق الإنسان التابع للنظام نفسه أقر بوجود انتهاكات كالتعذيب والحبس الاحتياطي المطوّل، إلا أن شيئًا لم يتغير فعليًا.

وتحدث زارع عن محاولات تعديل دستوري لتمديد بقاء السيسي في السلطة، ما يتطلب تقديم “كشف حساب” أمام الرأي العام، إلا أن الملف الحقوقي الكارثي قد يُفجّر هذه الحسابات.

زارع أشار إلى أن كل ما يجري من إضرابات وانتحارات “لا يهز شعرة في رأس الدولة”، مستشهدًا بحالة الناشطة ليلى سويف، والدة السجين علاء عبد الفتاح، التي كادت تموت من أجل زيارة ابنها، دون أن تُحرّك السلطات ساكنًا. ويؤكد أن السلطة تستعمل القضاء كغطاء للتنصّل من المسؤولية، رغم تدخلها المباشر في الإفراج عن بعض المتهمين الجنائيين، وتجاهل السياسيين والحقوقيين.

خاتمة: الانفجار قادم.. والنظام يكتب نهايته بيده

في ظل الانسداد السياسي، وانهيار الحالة الحقوقية، وتحول السجون إلى مقابر، يقف نظام السيسي على حافة الخطر. فاستمرار التنكيل بقيادات ورموز بارزة لا يعكس فقط عداءً سياسيًا، بل رغبة في الإبادة المعنوية والنفسية، في وقت تعود فيه المنظمات الحقوقية إلى الحراك الدولي لكشف هذه الجرائم.

المعركة اليوم لم تعد حول زيارة أو دواء، بل معركة حياة أو موت، والذين يقفون في زنزانات “بدر 3” ليسوا فقط قادة تنظيم، بل شهود على نهاية منظومة، تظن أن القمع خالد، بينما التاريخ يعلّم أن الطغيان لا يدوم.

اقرأ أيضًا : شوكة في خاصرة الوطن: كيف يتحوّل الدروز المتحالفون مع إسرائيل إلى أداة لتفكيك سوريا