أعادت سلطات النظام المصري، فجر الثلاثاء، فتح واحد من أكثر ملفات القمع السياسي حساسية، بعد إقدامها على اعتقال الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة من منزله في القاهرة، في خطوة اعتبرها حقوقيون عودة صريحة إلى سياسة تكميم الأفواه، ورسالة واضحة بأن الإفراجات الشكلية التي روّج لها النظام لم تكن سوى استراحة مؤقتة في مسار القمع المتواصل منذ انقلاب تموز/يوليو 2013 بقيادة عبد الفتاح السيسي.
القبض على دومة تم في الساعات الأولى من الفجر، حين اقتحمت قوة أمنية منزله واقتادته إلى جهة غير معلومة، دون إبراز إذن قضائي أو توجيه اتهامات رسمية. وأكد المحامي خالد علي الواقعة، موضحًا أن الأسرة لم تُبلَّغ بسبب القبض عليه أو مكان احتجازه، في تكرار حرفي لنمط “الاختفاء القسري” الذي بات سمة ملازمة لأجهزة الأمن المصرية.

اعتقال بلا تهمة.. ومنهج أمني ثابت
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تصدر أي جهة رسمية بيانًا يوضح ملابسات الاعتقال، ما يضع الواقعة في سياق الانتهاكات الممنهجة التي تعتمدها نيابة أمن الدولة العليا، حيث يتحول الاعتقال إلى أداة ضغط سياسي، لا إلى إجراء قانوني. هذا الغموض المتعمد لا يعكس فقط استخفافًا بالقانون، بل يؤكد أن النظام يتعامل مع النشطاء بوصفهم “خطرًا دائمًا” حتى بعد سنوات السجن أو قرارات العفو.
دومة.. سيرة مقاومة لم تُغلق
يُعد أحمد دومة، المولود عام 1988، أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير، وأحد أكثر النشطاء الذين دفعوا ثمن مواقفهم السياسية. فقد أمضى أكثر من عشر سنوات متنقلاً بين السجون، أبرزها في قضية “أحداث مجلس الوزراء”، التي حُكم عليه فيها بالسجن المؤبد قبل تخفيف الحكم لاحقًا. وعلى الرغم من الإفراج عنه بعفو رئاسي في آب/أغسطس 2023، لم يعرف دومة طعم الحرية الفعلية، إذ ظل خاضعًا لاستدعاءات متكررة، وحظر سفر، وملاحقات قضائية مرتبطة بكتاباته وشعره.
العفو الرئاسي.. واجهة بلا مضمون
اعتقال دومة يفضح مجددًا زيف خطاب “الانفراجة السياسية” الذي يروّج له النظام في المحافل الدولية. فالعفو الرئاسي، الذي قُدّم كدليل على تحسن أوضاع حقوق الإنسان، تبيّن أنه أداة علاقات عامة لا أكثر، تُستخدم لامتصاص الضغوط الخارجية، بينما تبقى الأجهزة الأمنية ممسكة بكامل أدوات القمع، وقادرة على إعادة اعتقال المفرج عنهم في أي لحظة.
الشعر كجريمة سياسية
لا يمكن فصل اعتقال دومة عن استهدافه الثقافي والفكري، إذ واجه خلال الفترة الماضية قضايا بسبب ديوانه الشعري “كيرلي”، في دلالة على أن النظام لا يخشى فقط النشاط السياسي المباشر، بل يرى في الكلمة الحرة، حتى حين تأتي في شكل شعر، تهديدًا وجوديًا. هذا النهج يعكس عقلية أمنية ترى في الإبداع فعل مقاومة، وفي المثقف خصمًا يجب إخضاعه أو كسره.
رسالة ترهيب أوسع
يتجاوز اعتقال دومة شخصه، ليحمل رسالة ردع موجهة إلى كل من يفكر في كسر الصمت أو استعادة المجال العام. فالنظام، الذي يواجه أزمات اقتصادية خانقة وتراجعًا حادًا في شرعيته الشعبية، يبدو أكثر ميلًا لاستخدام القبضة الأمنية بدل فتح أي مسار سياسي حقيقي. وفي هذا السياق، يصبح إعادة اعتقال رموز الثورة محاولة لإغلاق الذاكرة الجماعية، ومنع أي استدعاء محتمل لروح يناير.
قمع بلا نهاية
يعكس ما جرى مع أحمد دومة حقيقة المشهد المصري اليوم: دولة تُدار بالعصا الأمنية، وقانون يُستخدم كسلاح انتقائي، ومعارضة تُستنزف بالاعتقال والملاحقة. وبينما يواصل النظام الحديث عن الاستقرار، تكشف الوقائع أن هذا “الاستقرار” لا يقوم إلا على القمع، وأن ثمنه يُدفع من حريات المصريين وكرامتهم.
في المحصلة، لا يُعد اعتقال دومة حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات، تؤكد أن قمع السيسي لم يتراجع، بل يعيد إنتاج نفسه بأدوات أكثر فجاجة، في ظل صمت دولي وتواطؤ سياسي، يدفع ثمنه أصحاب الكلمة الحرة داخل مصر.
اقرأ أيضا : أبوظبي وقطع الرواتب في الصومال: دعم أمني يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي