شهدت مدن مغربية عدة، لليوم الثاني على التوالي (الأحد 28 سبتمبر/ أيلول 2025)، موجة جديدة من الاحتجاجات التي قادتها حركة “جيل زد 212″، في ظل تصعيد أمني وحملة توقيفات واسعة استهدفت عشرات الشباب. وتكشف هذه التحركات عن صراع متصاعد بين جيل رقمي متصل بالعالم، يطالب بحقوق أساسية في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، وبين سلطة ملكية وحكومية اختارت مجددًا المقاربة الأمنية كوسيلة وحيدة لمواجهة مطالب اجتماعية متجذرة.

حصار الرباط و100 معتقل في العاصمة
في الرباط، تحولت ساحة باب الأحد التاريخية إلى رمز للمواجهة بين المتظاهرين وقوات الأمن. فقد طوقت السلطات المكان بشكل كامل، مانعة أي محاولة للتجمهر، قبل أن تشن حملة توقيفات استباقية استهدفت قرابة 100 شاب بحسب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان. المشهد عكس إصرار السلطة على منع ولادة حركة احتجاجية جديدة، حتى لو تعلق الأمر بمطالب اجتماعية بديهية. ورغم القبضة الأمنية، ردد المحتجون هتافات مثل: “الصحة أولا.. ما بغيناش كأس العالم”، في إشارة إلى أولوياتهم البعيدة عن المشاريع الاستعراضية.
الدار البيضاء ومراكش وأكادير: كرّ وفر واعتقالات
الدار البيضاء بدت الأكثر سخونة، إذ تحولت أزقة وسط المدينة إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الأمن وشباب رفعوا شعارات ضد الفساد ومن أجل الحرية والكرامة. وجود شخصيات سياسية مثل نبيلة منيب وفاطمة التامني منح الاحتجاجات زخمًا إضافيًا ورسالة بأن الغضب الشعبي بدأ يتقاطع مع مواقف معارضة منظمة.
وفي مراكش، أظهرت مقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل تطويق السلطات لمكان الاحتجاج، أعقبها اعتقال متظاهرين، فيما شهد حي السلام بأكادير تفريق مسيرة شبابية بالقوة، لتتكرر نفس الصورة: مطالب اجتماعية في مقابل هراوات أمنية.
انتقادات سياسية وحقوقية: أزمة حكومة أخنوش
ردود الفعل السياسية لم تتأخر. حزب العدالة والتنمية المعارض حمّل حكومة عزيز أخنوش مسؤولية الاحتقان، منتقدًا اقتصارها على المعالجة الأمنية بدل الإصغاء لمطالب الشارع. أما الحزب الاشتراكي الموحد فأدان “الانتهاكات التي طاولت احتجاجات سلمية”، بينما دعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى فتح حوار مباشر مع الشباب، معتبرة أن القمع لن يزيد الوضع إلا انفجارًا.
هذه المواقف تعكس إدراكًا متزايدًا لدى أطراف سياسية وحقوقية أن الأزمة لم تعد هامشية، بل مرشحة للتحول إلى حركة اجتماعية عابرة للمدن.
بروز حركة “جيل زد”: من الفضاء الرقمي إلى الشارع
حركة “جيل زد 212” وُلدت على تطبيق “ديسكورد”، حيث اجتمع آلاف الشباب في وقت قصير، لتكون هذه أول مرة يوظف فيها جيل مغربي ناشئ الفضاء الرقمي كأداة للتنظيم والاحتجاج بشكل مستقل عن الأطر الحزبية والنقابية التقليدية. ورغم تأكيد المنظمين على سلمية تحركاتهم ودعمهم للملكية باعتبارها “ضامنة للاستقرار”، فإن القمع الأمني وضعهم في مواجهة مباشرة مع النظام، وكشف خوف السلطة من أي شكل من أشكال التعبئة الشعبية الجديدة.
أزمة الثقة مع المؤسسات
تصريحات رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، عادل تشيكيطو، تلخص المعضلة: غياب قنوات مؤسساتية فعّالة لإشراك الشباب في القرار العمومي جعلهم يبحثون عن بدائل في الشارع. ارتفاع نسب البطالة، ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وتفاقم غلاء المعيشة كلها عوامل فاقمت الغضب. ما يزيد الصورة قتامة هو أن الحكومة بدلاً من تقديم حلول عملية، تلوّح فقط بسيف القمع والمنع.
خلفية اجتماعية: “مستشفى الموت” كرمز للفشل
الاحتجاجات الأخيرة جاءت في سياق نقاش عام حول انهيار المنظومة الصحية، بعد فضيحة ما سُمي في الإعلام بـ”مستشفى الموت” في أكادير. شكاوى المواطنين من غياب الأطر الطبية والتجهيزات الأساسية تكررت، لكن لم ترافقها سياسات إصلاحية جدية. وهكذا بدا أن جيل الشباب قرر أخذ زمام المبادرة بنفسه، رافعًا شعارات تُفضّل الكرامة والحق في الصحة والتعليم على كل المشاريع الاستعراضية، بما فيها كأس العالم التي يراها كثيرون “ترفًا” لا يتناسب مع واقع اجتماعي مأزوم.
قمع الملك وحكومته.. رسالة معاكسة للجيل الجديد
القرارات الأمنية الصادرة عن وزارة الداخلية، والتي منعت أي وقفات أو أشكال احتجاجية في المدن، كشفت أن النظام الملكي وحكومة أخنوش اختارا المواجهة المباشرة بدل الإصغاء. غير أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي إلى نتيجة عكسية: ترسيخ قناعة الشباب بأن النظام غير مستعد لأي إصلاح، وأن الشارع هو الملاذ الأخير. وهنا تكمن خطورة الموقف، لأن القمع في مواجهة جيل رقمي متصل بالعالم قد يخلق حالة انفجار يصعب ضبطها لاحقًا.
خاتمة: بداية مسار جديد أم انفجار مؤجل؟
تواصل احتجاجات “جيل زد” لليوم الثاني رغم القبضة الأمنية يعكس بداية مسار جديد في المغرب، مسار عنوانه جيل رقمي متصل بالعالم، لا يخشى النزول إلى الشارع، ويملك أدوات جديدة للتعبئة خارج سيطرة الدولة. وبينما يرفع هذا الجيل شعارات سلمية تطالب بالصحة والتعليم والكرامة، تصر السلطة الملكية وحكومتها على المقاربة الأمنية. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يستمر القمع في تأجيل الانفجار، أم أن المغرب أمام محطة تأسيسية قد تفتح الباب لولادة حركة اجتماعية جديدة تعيد رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟
اقرأ أيضًا : أسطول الصمود يتحدى الحصار: 10 سفن من صقلية تنضم إلى القافلة الدولية نحو غزة