دخلت قضية أستاذ القانون الدستوري والناشط السياسي التونسي جوهر بن مبارك مرحلة بالغة الخطورة، وسط تحذيرات من هيئة الدفاع من أن وضعه الصحي بات “على مشارف الموت” بعد سبعة أيام من الإضراب الوحشي عن الطعام والماء والدواء، في ظل تجاهل إدارة السجون المطالبات المتكررة بنقله إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

يُعد جوهر بن مبارك، المعتقل منذ فبراير 2023، من أبرز الوجوه السياسية والأكاديمية المعارضة لمسار 25 يوليو/تموز 2021 الذي قاده الرئيس قيس سعيد، والذي أفضى إلى تركيز السلطات التنفيذية والتشريعية في يد واحدة، وهو ما اعتبرته المعارضة انقلابًا على الدستور ومسار الثورة. وقد أوقف بن مبارك ضمن ما يعرف بملف “التآمر على أمن الدولة” إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والحقوقية، وصدر بحقه حكم قاسٍ بالسجن لمدة 18 عامًا، في محاكمة تقول منظمات حقوقية إنها تفتقر إلى معايير العدالة والنزاهة.

إضراب على مشارف الموت

روت المحامية دليلة مصدق، شقيقة جوهر بن مبارك، مشاهد صادمة بعد زيارتها له في السجن المدني، قائلة: “حالته متدهورة جدًا، لا يستطيع المشي، ولا حتى الحديث في أغلب الوقت، ويعاني من آلام حادة في الكلى والأمعاء وفقدان شبه كامل للتركيز”. وأضافت أن إدارة السجن رفضت السماح لها بلقاء المدير أو نائبه، مؤكدة أن “الوقت ينفد وأن حياة جوهر بن مبارك في خطر حقيقي”.

من جهته، قال المحامي سمير ديلو، أحد أعضاء هيئة الدفاع، إن موكله “على مشارف الموت”، مشيرًا إلى أنه واكب عشرات الإضرابات قبل الثورة “ولم يشهد تجاهلًا كالذي يراه اليوم، ولا مثيلًا لهذا الاستخفاف بحياة الناس”. وأضاف أن ما يواجهه جوهر “ليس مجرد إضراب بل إعدام بطيء”، داعيًا السلطات إلى تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية.

وفي منشور كتبه على صفحته الرسمية، نقل ديلو عن بن مبارك قوله: “لن أسمح لهم بقتلي صبرًا، لن أقبل بالموت البطيء، سأجبرهم على دفع ثمن قتلي بعد أيام لا بعد سنوات”. كلمات تعبّر عن تصميم رجل يواجه الموت بعناد، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن حالة يأس واحتقان متصاعدة داخل السجون التونسية.

إنكار رسمي وتشكيك في الروايات

في المقابل، أصدرت الإدارة العامة للسجون والإصلاح بيانًا نفت فيه ما تم تداوله بشأن تدهور الوضع الصحي لبعض المساجين نتيجة الإضراب عن الطعام، مؤكدة أن “الوضعيات الصحية عادية ومستقرة” وأن الفحوصات اليومية التي يجريها الإطار الطبي تثبت “عدم وجود أي خطر على حياتهم”.

كما زعمت الإدارة أن بعض المضربين عن الطعام “ثبت تناولهم للطعام فعليًا”، مشيرة إلى أن “الإضرابات المزعومة لا تكتسي صبغة جدية”، معلنة في الوقت ذاته أنها بدأت باتخاذ إجراءات قانونية ضد من ينشر “معطيات مغلوطة” حول أوضاع المساجين. هذا الموقف الرسمي زاد من غضب هيئة الدفاع، التي اعتبرت أن ما ورد في البيان “محاولة فجة لتضليل الرأي العام وتبرئة السلطة من جريمة محتملة”.

بين الحقيقة والدعاية

بين رواية المحامين التي تؤكد التدهور الخطير لحالته، ونفي الإدارة العامة للسجون، يجد الرأي العام نفسه أمام مواجهة بين حقيقتين متناقضتين: الأولى تنطق بلسان المعارضين، وتصف مشهدًا إنسانيًا مأساويًا في السجن، والثانية تكرر خطابًا بيروقراطيًا يحاول تبييض صورة السلطة. في كلا الحالين، تبقى حياة إنسان على المحك.

جوهر بن مبارك كان قد بعث برسالة خطية من داخل السجن قال فيها: “لقد خضت سابقًا ستة إضرابات عن الطعام، كنت أعلّقها بعد أسابيع، إيمانًا بأن الرسالة قد وصلت، لكن كلماتي لم تُسمع، ومن كان به صممٌ ما زال على صممه”. وأضاف موجّهًا حديثه إلى الرئيس قيس سعيد: “لن أتركك تقتلني ببطء وصمت، سأجبرك على كشف وجهك الحقيقي، وستتلطخ يداك بدمائي. سأعيش حرًّا أو أموت حرًّا”.

انعكاسات سياسية وحقوقية

تضع هذه القضية النظام التونسي أمام اختبار حقيقي: هل لا تزال الدولة تحترم حقوق الإنسان أم أنها انزلقت إلى مستوى من القمع الممنهج ضد خصومها السياسيين؟ منظمات حقوقية تونسية ودولية حذّرت من أن استمرار احتجاز المعارضين في ظروف سيئة، ورفض الدولة الاستجابة للتحذيرات، قد يرقى إلى “قتل بطيء متعمّد”.

كما أن طريقة تعامل النظام مع الملف تكشف أن قيس سعيد ماضٍ في مسار إحكام قبضته على مؤسسات الدولة، بما في ذلك القضاء والإعلام والسجون. فبدلًا من فتح تحقيق مستقل أو السماح بزيارات طبية دولية، تلجأ السلطة إلى سياسة النفي والتهديد بالملاحقة القضائية، وهو ما يعيد إلى الأذهان أساليب الأنظمة التي تسجن خصومها ثم تُنكر وجودهم.

خاتمة

قضية جوهر بن مبارك لم تعد قضية فردية، بل صارت مرآة تعكس حالة الديمقراطية والحقوق في تونس ما بعد 25 يوليو. إذا تُرك يموت بصمت، فلن تكون المأساة فقط موت رجل، بل موت آخر ما تبقى من روح الثورة التونسية التي بشّرت بحرية الرأي والكرامة الإنسانية. إنقاذه اليوم ليس واجبًا قانونيًا فقط، بل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا قبل أن تتحول الزنزانة التي يحتضر فيها إلى شاهد جديد على قمع قيس سعيد ومعارضيه.

اقرأ أيضًا : الإمارات تموّل المذبحة في الفاشر.. وصحف عالمية تدعو لتصنيف “الدعم السريع” منظمة إرهابية