في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيداً خطيراً ضد حرية التعبير واستقلال القضاء في تونس، أصدرت محكمة تونسية، اليوم الجمعة، حكماً بالسجن خمس سنوات على المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، أحد أبرز المنتقدين للرئيس قيس سعيد، بتهمة “تهديد القضاة” على خلفية تصريحاته التي اعتبر فيها أن القضاة التونسيين “يعملون بسكاكين على رقابهم”، في إشارة إلى حجم الضغوط السياسية التي يواجهونها.

هذا الحكم، الذي وُصف بأنه رسالة ترهيب لكل الأصوات المستقلة، يفتح الباب واسعاً أمام التساؤل حول مستقبل الحريات العامة في البلاد بعد أن بات القضاء أداة طيّعة في يد السلطة التنفيذية، وفق ما يؤكده المعارضون.

 

جلسة صادمة.. وحكم مسبق

وفق شهادة محامي الدفاع سامي بن غازي، فإن الجلسة لم تدم سوى بضع دقائق، ولم يُسمح لأحمد صواب بالمثول أمام القاضي حضورياً بعد رفضه المحاكمة عن بُعد. وقال بن غازي متسائلاً: “خمس سنوات سجن، من أجل ماذا؟ من أجل عبارة مجازية فهمها الجميع على أنها رمزية، إلا السلطة؟”، مضيفاً أن موكله “مسجون مكاننا جميعاً”.

وأكّد عميد المحامين بوبكر بن ثابت أن الجلسة كانت غير قانونية، لأن المتهم رفض الظهور عبر الشاشة وطالب بالمثول شخصياً، لكن القاضي رفع الجلسة فجأة وأعلن صدور الحكم بعد دقائق. واعتبر عدد من المحامين والحقوقيين أن ما جرى “سابقة خطيرة” في تاريخ القضاء التونسي، إذ لم يُتح الدفاع فرصة المرافعة أو تقديم طلباته القانونية، مما يعكس “حالة انهيار العدالة” في ظل هيمنة السلطة السياسية على القضاء.

انهيار منظومة العدالة في عهد سعيد

منذ استحواذ الرئيس قيس سعيد على السلطات التشريعية والتنفيذية في يوليو/تموز 2021، عقب تجميد البرلمان وحله لاحقاً، دخلت تونس مرحلة جديدة من الحكم الفردي. ويقول معارضوه إن ما يجري هو “انقلاب ناعم” قوض مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القضاء المستقل.

ففي عام 2022، أصدر سعيد قراراً بحلّ المجلس الأعلى للقضاء وأقال عشرات القضاة، متّهماً إياهم بالفساد والتواطؤ مع “الإرهابيين”. لكن تلك الخطوات وُصفت من قبل منظمات محلية ودولية بأنها ضرب لاستقلالية القضاء وتحويله إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

ومع كل انتقاد جديد للرئيس أو لمؤسسات الدولة، يُعتقل صحفي أو معارض أو ناشط، مما جعل المنظمات الحقوقية تتحدث عن “تونس الجديدة” كدولة بوليسية تُدار بالمراسيم والسجون.

من أحمد صواب إلى الغنوشي.. السجون تمتلئ بالمعارضين

لا يقف الأمر عند أحمد صواب، إذ تقبع في السجون التونسية قيادات سياسية بارزة من مختلف الاتجاهات.
فقد اعتُقل راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، بتهم “التآمر على أمن الدولة”، كما اعتُقلت عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، وعدد من الصحفيين والمدونين والنشطاء النقابيين.

ويرى مراقبون أن هذه الاعتقالات لم تعد تستهدف تياراً بعينه، بل كل من يرفع صوته ضد السلطة. فالرسالة واضحة: لا معارضة في تونس إلا ما يسمح به قيس سعيد، ولا قضاء إلا ما يرضي إرادته.

وقال أحد المحامين المشاركين في الجلسة: “البلاد دخلت مرحلة قمع شامل، القضاء بات سلاحاً في يد الرئيس لتكميم الأفواه، وأي نقد يمكن أن يتحول إلى جريمة أمن دولة.”

المجتمع المدني في مرمى السلطة

تزامن الحكم على صواب مع إعلان ثلاث منظمات غير حكومية بارزة هذا الأسبوع تعليق أنشطتها بعد أن علّقت السلطات تراخيصها بسبب “تمويلات خارجية”، في خطوة اعتبرتها المنظمات محاولة لإسكات المجتمع المدني وتجميد آخر مساحات الحرية في البلاد.

منظمات أخرى تحدثت عن تضييقات متصاعدة شملت تجميد الحسابات البنكية والتهديد بسحب التراخيص، ما يشير إلى سياسة منهجية لإضعاف كل القوى الوسيطة بين الدولة والمجتمع.

هذه الخطوات تأتي بعد سنوات من التراجع في المؤشرات الحقوقية، إذ وضعت منظمات دولية تونس ضمن الدول التي تشهد “تآكلاً حاداً في الحريات” بعد عقد من الثورة.

رواية السلطة: “القانون فوق الجميع”

في المقابل، دافع الرئيس قيس سعيد عن مواقفه، مؤكداً في تصريحات متكررة أن “القانون فوق الجميع” وأنه لا يستهدف أحداً، بل يسعى إلى “تطهير البلاد من الفساد والخونة”.

وقال سعيد في خطاب سابق إن القضاة الذين يبرّئون الفاسدين هم “شركاء في الجريمة”، وإن الدولة لن تقوم ما لم تُقطع “أيدي العابثين بمصالح الشعب”.

لكن معارضيه يرون في هذه الخطابات غطاءً لتصفية الخصوم السياسيين، مؤكدين أن سعيد يستبدل لغة القانون بلغة الانتقام، وأن ما يجري هو “إعادة إنتاج للنظام البوليسي الذي ثار عليه التونسيون عام 2011”.

قمع متصاعد ونهاية حلم الثورة

الحكم على أحمد صواب ليس مجرد قضية فردية، بل رمز لمرحلة جديدة من الاستبداد المقنّع بالقانون. فالمحامي الذي كان يدافع عن استقلال القضاء أصبح ضحية المنظومة التي حذر منها.

ويرى محللون أن تونس اليوم تتجه نحو عزلة داخلية ودولية مع تصاعد القمع، حيث باتت البلاد تفقد صورتها كـ”واحة ديمقراطية” في العالم العربي.

يقول أحد الأكاديميين التونسيين: “ما يحدث ليس فقط سجن أحمد صواب، بل سجن روح الثورة نفسها.”

ومع غياب قنوات الحوار وتكميم الأصوات الحرة، يبدو أن نظام قيس سعيد يخوض سباقاً محموماً لتثبيت سلطته عبر الخوف، لكن التاريخ يؤكد أن القمع مهما اشتد لا يصمد أمام إرادة الشعوب.

اقرأ أيضًا : الضباط الإماراتيين في غزة.. خيوط خفية لدور عسكري يتجاوز المساعدات الإنسانية